سورة (المائدة)
vol. 1 · p. 284
{ياأيها الرسول بلغ مآ أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس إن الله لا يهدي القوم الكافرين}
وقال {فما بلغت رسالته} وقال بعضهم {رسالاته} وكل صواب لأن "الرسالة" قد تجمع "الرسائل" كما تقول "هلك البعير والشاة" و"أهلك الناس الدينار والدرهم" تريد الجماعة.
{إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون}
وقال: {والصابئون والنصارى} وقال في موضع آخر {والصابئين} والنصب القياس على العطف على ما بعد {إن} فاما هذه فرفعها على وجهين كأن قوله {إن الذين آمنوا} في موضع رفع في المعنى لأنه كلام مبتدأ لأن قوله: "إن زيدا منطلق" و"زيد منطلق" من غير أن يكون فيه "إن" في المعنى سواء [105 ء] ، فان شئت اذا عطفت عليه شيئا جعلته على المعنى. كما قلت: "إن زيدا منطلق وعمرو". ولكنه اذا جعل بعد الخبر فهو احسن واكثر. وقال بضعهم: "لما كان قبله فعل شبه في اللفظ بما يجري على ما قبله، وليس معناه في الفعل الذي قبله وهو {الذين هادوا} اجراه عليه فرفعه به وان كان ليس عليه في المعنى ذلك انه تجيء اشياء في اللفظ لا تكون في المعاني، منها قولهم: "هذا
vol. 1 · p. 285
جحر ضب خرب" وقولهم "كذب عليكم الحج" يرفعون "الحج" ب"كذب"، وانما معناه "عليكم الحج" نصب بأمرهم. وتقول: "هذا حب رماني" فتضيف "الرمان" إليك وإنما لك "الحب" وليس لك "الرمان". فقد يجوز أشباه هذا والمعنى علىخلافه.
المعاني الواردة في آيات سورة (المائدة)
{وحسبوا ألا تكون فتنة فعموا وصموا ثم تاب الله عليهم ثم عموا وصموا كثير منهم والله بصير بما يعملون}
[و] قال {ثم عموا وصموا كثير منهم} ولم يقل "ثم عمي وصم" وهو فعل مقدم لأنه أخبر عن قوم انهم عموا وصموا، ثم فسر كم صنع ذلك منهم كما تقول "رأيت قومك ثلثيهم" ومثل ذلك {وأسروا النجوى الذين ظلموا} وان شئت جعلت الفعل للآخر فجعلته على لغة الذين يقولون "أكلوني البراغيث" كما قال: [من الطويل وهو الشاهد الخامس والثمانون بعد المئة] :
ولكن ديافي أبوه وأمه * بحوران يعصرن السليط أقاربه
{لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من اله إلا اله واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم}
[و] قال {لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة} وذلك انهم جعلوا معه "عيسى" [105 ب] و"مريم". كذلك يكون في الكلام اذا كان واحد مع اثنين قيل "ثالث ثلاثة" كما قال {ثاني اثنين} وانما