ومن ذلك قول طرفة:
فظل لنا يوم لذيذ بنعمة * فقل في مقيل نحسه متغيب (3) وكقول زيد الخيل: فخيبة من يخيب علي غني * وباهلة بن أعصر والرباب (4)
ونظيره من القرآن: (ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى بل لله الأمر جميعا) (1) .
ومواضع كثيرة.
* * * ويعدون من البديع " المبالغة "، و " الغلو ".
والمبالغة: تأكيد معاني القول، وذلك كقول (2) الشاعر: ونكرم جارنا ما كان فينا * ونتبعه الكرامة حيث مالا (3) ومن ذلك قول الآخر (4) : وهم تركوك أسلح من حبارى * رأت صقرا وأشرد من نعام / فقوله: " رأت صقرا " مبالغة.
ومن الغلو قول أبي نواس: توهمتها في كأسها فكأنما * توهمت شيئا ليس يدركه العقل فما يرتقي التكييف فيها إلى مدى * يحد به إلا ومن قبله قبل (5) وقول زهير: لو كان يقعد فوق الشمس من كرم * قوم بأولهم أو مجدهم - قعدوا (6) وكقول النابغة: بلغنا السماء مجدنا وسناؤنا * وأنا لنرجو فوق ذلك مظهرا (7)
وكقول الخنساء: وما بلغت كف امرئ متناول * بها المجد إلا حيثما نلت أطول (1) وما بلغ المهدون في القول مدحة * وإن أطنبوا إلا الذي فيك أفضل (2) / وقول الآخر (3) : له همم لا منتهى لكبارها * وهمته الصغرى أجل من الدهر له راحة لو أن معشار جودها * على البر صار البر أندى من البحر * * * ويرون من البديع " الإيغال " في الشعر خاصة، فلا يطلب مثله في القرآن
إلا في الفواصل، كقول امرئ القيس: كأن عيون الوحش حول خبائنا * وأرحلنا الجزع الذى لم يثقب (4) فقد أوغل بالقافية في الوصف وأكد التشبيه بها، والمعنى قد يستقل دونها.
* * * ومن البديع عندهم " التوشيح ".
وهو أن يشهد (5) أول البيت بقافيته وأول الكلام بآخره، كقول البحتري: / فليس الذي حللته بمحلل * وليس الذي حرمته بحرام (6) ومثله في القرآن: (فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه إن الله غفور رحيم) (7) .
* * *
ومن ذلك " رد عجز الكلام على صدره ".
كقول الله عز وجل: (انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض، وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا) (1) وكقوله: (لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب، وقد خاب من افترى) (2) .
ومن هذا الباب قول القائل (3) : وإن لم يكن إلا تعلل ساعة * قليلا فإني نافع لي قليلها وكقول جرير: / سقى الرمل جون مستهل غمامه * وما ذاك إلا حب من حل بالرمل (4) وكقول الآخر (5) : يود الفتى طول السلامة والغنى * فكيف يرى طول السلامة يفعل وكقول أبي صخر الهذلي: عجبت لسعي الدهر بيني وبينها * فلما انقضى ما بيننا سكن الدهر (6) وكقول الآخر: أصد بأيدي العيس عن قصد أرضها * وقلبي إليها بالمودة قاصد (7)
وكقول عمرو بن معدي كرب: إذا لم تستطع شيئا فدعه * وجاوزه إلى ما تستطيع (1) * * * ومن البديع " صحة التقسيم " ومن ذلك قول نصيب: / فقال فريق القوم: لا وفريقهم: * نعم، وفريق قال: ويحك ما ندري (2) وليس في أقسام الجواب أكثر من هذا.
وكقول الآخر (3) : فكأنها فيه نهار ساطع * وكأنه ليل عليها مظلم (4) وقول المقنع الكندى: وإن يأكلوا لحمي وفرت لحومهم * وإن يهدموا مجدي بنيت لهم مجدا (5) وإن ضيعوا غيبي حفظت غيوبهم * وإن هم هووا غيى هويت لهم رشدا وإن زجروا طيرا بنحس تمر بي * زجرت لهم طيرا تمر بهم سعدا وكقول عروة بن حزام: بمن لو أراه عانيا لفديته * ومن لو رأني عانيا لفداني (6) ونحوه قول الله عز وجل: (الله ولى الذين آمنوا، يخرجهم من / الظلمات
إلى النور، والذين كفروا أوليائهم الطاغوت، يخرجونهم من النور إلى الظلمات) (1) .
* * * ونحوه: " صحة التفسير ".
[وهو أن توضع معان تحتاج إلى شرح أحولها، فإذا شرحت أثبتت تلك المعاني من غير عدول عنها ولا زيادة ولا نقصان] (2) .
كقول القائل (3) : ولي فرس للحلم بالحلم ملجم * ولى فرس للجهل بالجهل مسرج * * * ومن البديع: " التكميل والتتميم ".
[وهو أن يأتي بالمعنى الذى بدأ به بجميع المعاني المصححة المتممة لصحته، المكملة لجودته، من غير أن يخل ببعضها، ولا أن يغادر شيئا منها.
كقول القائل: وما عسيت أن أشكرك عليه من مواعيد لم تشن بمطل، ومرافد لم تشب بمن، وبشر لم يمازجه ملق، ولم يخالطه مذق] (4) .
/ وكقول نافع بن خليفة:
رجال إذا لم يقبلوا الحق منهم * ويعطوه عادوا بالسيوف القواطع (5) وإنما تم جودة المعنى بقوله: " ويعطوه ".
وذلك كقول الله عز وجل: (إن الله عنده علم الساعة) إلى آخر الآية.
ثم قال: (إن الله عليم خبير) (6) .
* * * ومن البديع: " الترضيع ".
وذلك على ألوان (7) .
منها قول امرئ القيس: مخش مجش مقبل مدبر معا * كتيس ظباء الحلب العدوان (1) ومن ذلك كثير من مقدمات أبي نواس: يامنة امتنها السكر * ما ينقضي مني لها الشكر (2) وكقوله، وقد ذكرناه قبل هذا (3) : / ديار نوار ما ديار نوار * كسونك شجوا هن منه عوار
* * * ومن ذلك: " الترصيع مع التجنيس "، كقول ابن المعتز: ألم تجزع على الربع المحيل * وأطلال وآثار محول (4) ونظيره من القرآن كقوله: (إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون، وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون) (5) .
وقوله: (ما أنت بنعمة ربك بمجنون، وإن لك لأجرا غير ممنون) (6) .
وكقوله: (وإنه على ذلك لشهيد، وإنه لحب الخير لشديد) (7) .
وكقوله: (والطور.
وكتاب مسطور) (8) .
وقوله: (والسابحات سبحا.
فالسابقات سبقا) (9) .
وقد أولع الشعراء بنحو هذا، فأكثروا فيه.
ومنهم من اقتنع / بالترصيع في بعض أطراف الكلام.
ومنهم من بنى كلامه [كله] (10) عليه، كقول ابن الرومي: أبدانهن وما لبس * ن من الحرير معا حرير (11)