Skip to content

Books to be read, not browsed

إعجاز القرآن للباقلاني

From ⁧إعجاز القرآن للباقلاني⁩ by ⁧أبو بكر الباقلاني محمد بن الطيب⁩ — leaf 40 of 104.

قيل: متى وقع أحد مصراعي البيت (5) مخالفا للآخر، كان تخليطا وخبطا، وكذلك متى اضطرب أحد مصراعي الكلام المسجع وتفاوت كان خبطا.

[وقد] علم أن فصاحة القرآن غير مذمومة في الأصل، فلا يجوز أن يقع فيها نحو هذا الوجه من الاضطراب (6) .

ولو كان الكلام الذي هو في صورة السجع منه لما تحيروا فيه، ولكانت

الطباع تدعو إلى المعارضة، لأن السجع غير ممتنع عليهم، بل هو عادتهم، فكيف تنقض العادة بما هو نفس العادة، وهو غير خارج عنها ولا متميز (1) منها؟ وقد يتفق في الشعر كلام [متزن] على منهاج السجع / وليس بسجع عندهم.

وذلك نحو قول البحتري: تشكى الوجى، والليل ملتبس الدجا * غريرية الانساب مرت بقيعها (2) وقوله (3) : قريب المدى، حتى يكون إلى الندى * عدو البنى، حتى تكون معالى (4) ورأيت بعضهم يرتكب هذا، فيزعم (5) أنه سجع مداخل! ونظيره من القرآن قوله تعالى: (ثم يوم القيامة يخزيهم، ويقول أين شركائي الذين كنتم تشاقون فيهم) (6) .

وقوله: (أمرنا مترفيها ففسقوا فيها) (7) .

وقوله: (أحب إليكم من الله ورسوله، وجهاد في / سبيله) (8) .

وقوله: (والتوراة والانجيل، ورسولا إلى بني إسرائيل) (9) .

وقوله: (إني وهن العظم مني) (10) .

ولو كان ذلك عندهم سجعا لم يتحيروا فيه ذلك التحير، حتى سماه بعضهم سحرا، وتصرفوا فيما كانوا يسمونه به ويصرفونه إليه ويتوهمونه فيه.

وهم في الجملة عارفون بعجزهم عن طريقه، وليس القوم بعاجزين عن تلك الأساليب المعتادة عندهم، المألوفة لديهم.

والذي تكلمنا به في هذا (11) الفصل كلام على جملة دون التفصيل.

ونحن نذكر بعد هذا في التفصيل، ما يكشف عن مباينة ذلك وجوه السجع.

ومن جنس السجع المعتاد عندهم، قول أبي طالب (1) لسيف بن ذي يزن: " أنبتك منبتا (2) طابت أرومته، وعزت جرثومته، وثبت أصله، وبسق فرعه ونبت زرعه، في أكرم موطن، وأطيب معدن ".

وما يجرى هذا المجرى من الكلام.

والقرآن مخالف لهذه (3) الطريقة مخالفته للشعر وسائر أصناف كلامهم الدائر بينهم.

/ ولا معنى لقولهم: إن ذلك مشتق من ترديد الحمامة صوتها على نسق واحد وروي غير مختلف، لأن ما جرى هذا المجرى لا يبنى على الاشتقاق وحده، ولو بني عليه لكان الشعر سجعا، لأن رويه يتفق ولا يختلف، وتتردد القوافي على طريقة واحدة.

وأما الأمور التي يستريح إليها الكلام، فإنها تختلف: فربما كان ذلك

يسمى (4) قافية، وذلك إنما يكون في الشعر، وربما كان ما ينفصل عنده (5) الكلامان (6) مقاطع السجع، وربما شمى (7) ذلك فواصل.

وفواصل القرآن - مما هو مختص بها (8) لا شركة بينه وبين سائر الكلام فيها ولا تناسب.

وأما ما ذكروه من تقديم موسى على هارون عليهما السلام في موضع، وتأخيره عنه في موضع لمكان السجع وتساوى مقاطع الكلام - فليس بصحيح، لأن الفائدة عندنا غير ما ذكروه.

وهي (9) : أن إعادة ذكر القصة الواحدة بألفاظ مختلفة، تؤدي معنى واحدا من الامر الصعب، الذى تظهر به الفصاحة، وتتبين به (10) البلاغة.

وأعيد كثير من القصص في مواضع [كثيرة] مختلفة، على ترتيبات / متفاوتة، ونبهوا بذلك على عجزهم عن الاتيان بمثله مبتدأ به ومكررا.

ولو كان فيهم تمكن من المعارضة لقصدوا تلك القصة وعبروا عنها بألفاظ

لهم تؤدى تلك المعاني ونحوها (1) ، وجعلوها بازاء ما جاء به، وتوصلوا بذلك إلى تكذيبه، وإلى مساواته فيما [حكى و] جاء به.

وكيف وقد قال لهم: (فليأتوا

بحديث مثله إن كانوا صادقين) (2) .

فعلى هذا يكون المقصد - بتقديم بعض الكلمات (3) وتأخيرها - إظهار الإعجاز (4) على الطريقين جميعا، دون السجع (5) الذى توهموه.

فإن قال قائل: القرآن مختلط من أوزان كلام العرب، ففيه من جنس خطبهم، ورسائلهم [وشعرهم] وسجعهم، وموزون كلامهم الذي هو غير مقفى، ولكنه أبدع فيه ضربا من الابداع، لبراعته وفصاحته.

قيل: قد علمنا أن كلامهم ينقسم إلى نظم ونثر، وكلام مقفى غير موزون [وكلام موزون غير مقفى] (6) ، ونظم موزون ليس بمقفى كالخطب والسجع، ونظم مقفى موزون له روي.

/ ومن هذه الأقسام ما هو سجية الأغلب من الناس، فتناوله أقرب، وسلوكه لا يتعذر.

ومنه ما هو أصعب تناولا، كالموزون عند بعضهم، والشعر عند الآخرين (7) .

وكل هذه الوجوه لا تخرج عن أن تقع لهم بأحد أمرين: إما بتعمل وتكلف وتعلم (8) وتصنع، أو باتفاق من الطبع وقذف من النفس على اللسان للحاجة إليه.

ولو كان ذلك مما يجوز اتفاقه من الطبائع، لم ينفك العالم من قوم يتفق ذلك منهم، ويعرض (9) على ألسنتهم، وتجيش به خواطرهم، ولا ينصرف (10) عنه الكل، مع شدة الدواعي إليه.

ولو كان طريقه التعلم لتصنعوه ولتعلموه (11) والمهلة لهم فسيحة، والامد واسع.

* * * وقد اختلفوا في الشعر كيف اتفق لهم؟ فقد قيل: إنه اتفق في الأصل غير مقصود إليه، على ما يعرض من أصناف النظام في تضاعيف الكلام، ثم لما استحسنوه واستطابوه ورأوا أنه قد تألفه / الأسماع وتقبله النفوس - تتبعوه (1) من بعد وتعملوه.

وحكى لي بعضهم عن أبي عمر: غلام ثعلب عن ثعلب: أن العرب تعلم أولادها قول الشعر بوضع غير معقول، يوضع على بعض أوزان الشعر كأنه على وزن: * قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل * ويسمون ذلك الوضع " المتير " (2) واشتقاقه من المتر، وهو الجذب أو القطع، يقال: مترت الحبل، أي (3) قطعته أو جذبته.

ولم يذكر هذه الحكاية عنهم غيره، فيحتمل ما قاله (4) .

وأما ما وقع السبق إليه فيشبه أن يكون على ما قدمنا ذكره أولا.

وقد يحتمل - على قول من قال: إن اللغة اصطلاح - أنهم تواضعوا على هذا الوجه من النظم.

Ed. al-Sayyid Ahmad Saqr — Dar al-Ma'arif, Egypt — 5th ed., 1997 CE