فكم من عدو للرسول، صلى الله عليه وسلم، من رجال العرب وفتاكها،
أقبلوا يريدون إغتياله وقتله، فسمعوا آيات من القرآن، فلم يلبثوا حين وقعت في مسامعهم أن يتحولوا عن رأيهم الاول، وأن يركنوا إلى مسالمته ويدخلوا في دينه، وصارت عداوتهم موالاة وكفرهم إيمانا " ثم أورد من المثل التاريخية، والآيات القرآنية ما هو مصداق لما وصفه من أمر القرآن.
وكان ذلك خاتمة الكتاب.
ثم ألف بعد الرماني والخطابى معاصرهم أبو بكر الباقلانى، كتابه " إعجاز القرآن " * * * الباقلانى وإعجاز القرآن: هو أبو بكر: محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر بن القاسم، المعروف بالباقلانى، أو ابن الباقلانى.
ولد بالبصرة، ولم يعين أحد من المؤرخين عام ولادته، وقد تلقى العلم على أعلامها، ثم رحل إلى بغداد فأخذ من علمائها، ثم اتخذها دارا لاقامته، حتى قضى نحبه فيها ولم يذكر أحد كذلك متى رحل إليها أول ما رحل، ولا متى اتخذها مستقرا؟ وقد أتيح للباقلاني أن يتتلمذ لطائفة من العلماء الذين جمعوا بين العلم والعمل،
وشهروا بالورع والتقوى.
ونحن نشير إلى م اوقفنا عليه منهم، فيما يلى: (1) فمنهم أبو بكر الابهري: محمد بن عبد الله (289 - 375 ه) شيخ المالكية في عصره، وقد أخذ عنه الباقلانى الفقه، وصحبه فأطال صحبته.
ومما يؤثر عن الابهري أنه أخرج في آخر حياته ثلاثة آلاف مثقال، وفرقها على تلامذته، وكانوا جماعة وافرة، وآثر الباقلانى فأعطاه منها مائة مثقال.
(2) أبو بكر: أحمد بن جعفر بن مالك القطيعى راوي مسند الامام أحمد (274 - 368) وقد أخذ عنه الحديث.
(3) أبو محمد: عبد الله بن إبراهيم بن أيوب بن ماسى (274 - 369) (4) أبو عبد الله: محمد بن خفيف الشيرازي المتوفى سنة 371.
وقد أخذ عنه الباقلانى علم الاصول.
(5) ابن بهته: محمد بن عمر، البزاز، المتوفى سنة 374 (6) أبو أحمد: الحسين بن على النيسابوري (293 - 375) (7) أبو أحمد: الحسن بن عبد الله بن سعيد العسكري (293 - 382) (8) أبو محمد: عبد الله بن أبى زيد القيرواني المتوفى سنة 386 عن ست وسبعين سنة.
(9) أبو عبد الله الطائى: محمد بن أحمد بن محمد بن يعقوب بن مجاهد.
البصري، صاحب أبى الحسن الاشعري.
وقد درس عليه الباقلانى الاصول والكلام وكان من أخص تلاميذه.
(10) أبو الحسن الباهلى البصري صاحب أبى الحسن الاشعري، قال الباقلانى: " كنت أنا وأبو إسحاق الاسفرايينى، وابن فورك معا في درس الشيخ الباهلى، وكان يدرس لنا في كل يوم جمعة مرة واحدة، وكان منا في حجاب، يرخى الستر بيننا وبينه كى لا نراه.
وكان من شدة اشتغاله بالله مثل واله أو مجنون، لم يكن يعرف مبلغ درسنا حتى نذكره ذلك ".
ولم يكن الباهلى يحتجب عن هؤلاء الثلاثة فقط، بل كان يحتجب عن كل الناس، حتى عن الجارية التى كانت تخدمه.
وقد سأله تلاميذه في أول عهدهم به عن سبب إرساله الحجاب بينه وبينهم
فقال: " إنكم ترون السوقة، وهم أهل الغفلة، فترونى بالعين التى ترون أولئك بها "! وذكر ابن شاكر في " عيون التواريخ " أن الباهلى مات سنة 370.
وكان الباهلى وابن مجاهد، أعرف العلماء بمذهب الاشعري، وأشدهم فقها له.
وأقواهم حجة في الدفاع عنه، لانهما كانا من أقرب تلاميذه إليه.
وقد سجل المؤرخون للاشعري: أن أخص تلاميذه به أربعة: أبو بكر بن مجاهد، وأبو الحسن الباهلى، وأبو الحسن الطبري، وخادمه بندار بن الحسين الشيرازي المتوفى سنة 353 ه.
وقد تلقى الباقلانى عليهما أصول المذهب، فتعشقه واندفع في نصرته، بما عرف عنه من قوة الحجة، وبراعة المحاورة، وسرعة البديهة، وطلاقة اللسان، وغزارة البيان.
فطار صيته في الآفاق، وهو ما زال بعد في ريعان الصبا وفتاء الشباب، حتى وصل إلى أعلام المعتزلة بشيراز.
وكانت شيراز في ذلك الوقت حاضرة ملك أبى شجاع فنا خسرو بن ركن الدولة البويهى.
الذى آل إليه ملك فارس بعد وفاة عمه عماد الدولة في سنة 338، فتلقب بعضد الدولة.
وكان عضد الدولة أميرا عظيم الهيبة، غزير العقل، شديد التيقظ، كثير الفضل، واسع الثقافة، مشاركا في العلوم، وقد تعلم على أحسن المعلمين.
فكان يقدر العلم والعلماء، ويحب الادب والادباء، ويؤثر مجالستهم عن مجالسة الامراء، ويجرى الجرايات على الفقهاء والمحدثين، والنحاة والمفسرين، والشعراء والمتكلمين، والاطباء والمهندسين.
وكانت له خزانة كتب عظيمة، عنى بها عناية فائقة، يدل عليها وصف المقدسي لها بأنها " حجرة على حدة، عليها وكيل وخازن ومشرف.
ولم يبق كتاب صنف إلى وقت عضد الدولة من أنواع العلوم إلا وحصله فيها.
وهى أزج طويل في صفة كبيرة، فيه خزائن من كل وجه، وقد ألصق إلى جميع حيطان الازج والخزائن بيوتا طولها قامة في عرض ثلاثة أذرع من الخشب المزوق، عليها أبواب تنحدر من فوق! والدفاتر منضدة على الرفوف، لكل نوع بيوت وفهرستات فيها أسامي الكتب، ولا يدخلها إلا كل وجبة ".
وكان يقرض الشعر ويتمثل به، ويحكم على معانيه بعد التقرير له، فقصده العلماء من كل فج، وصنفوا له الكتب، كأبى على الفارسى الذى ألف له كتاب " الايضاح " وكتاب " التكملة " في النحو.
وارتحل إليه الشعراء كأبى الطيب المتنبي الذى ورد عليه بشيراز في جمادى الاولى سنة 354، وأنشده قصيدته الهائية التى يقول فيها: وقد رأيت الملوك قاطبة * وسررت حتى رأيت مولاها ومن مناياهم براحته * يأمرها فيهم وينهاها أبا شجاع بفارس عضد الد * دولة فنا خسرو شهنشاها أساميا لم تزده معرفة * وإنما لذة ذكرناها وقد أفرد عضد الدولة في داره لاهل الخصوص والحكماء والفلاسفة، موضعا يقترب من مجلسه، فكانوا يجتمعون فيه للمفاوضة والمذاكرة، آمنين من السفهاء ورعاع العامة.
وكان مجلسه هذا يحتوى على شياطين المعتزلة، كأبى سعد: بشر بن الحسين قاضى قضاة شيراز، المتوفى سنة 380، والاحدب رئيس المعتزلة ببغداد وأبى إسحق النصيبينى رئيسهم بالبصرة، وأبى الحسن: محمد بن شجاع.
وقد لا حظ عضد الدولة خلو مجلسه من أهل السنة، فقال: هذا ليس مجلس عامر بالعلماء، إلا إنى لا أرى فيه واحدا من أهل الاثبات والحديث، أما لهؤلاء المثبتة من ناصر؟ فقال القاضى بشر بن الحسين: ليس لهم ناصر، وإنما هم عامة، أصحاب وتقليد ورواية، يروون الخبر وضده ويعتقدونهما جميعا، لا يعرفون النظر والمعتزلة هم فرسان الجدل والمناظرة.
فقال عضد الدولة: محال أن يخلو مذهب طبق الارض من ناصر! فانظر إلى موضع فيه مناظر يكتب فيه فيجلب.
فلما تبين القاضى العزم في حديثه، قال: سمعت أن بالبصرة شيخا وشابا، الشيخ يعرف
بأبى الحسن الباهلى، والشباب يعرف بابن الباقلانى.
فكبت عضد الدولة يومئذ إلى عامله بالبصرة ليبعثهما إليه، وأرسل إليهما خمسة آلاف درهم من الفضة، فلما وصل الكتاب إليهما قال الشيخ: هؤلاء الديلم قوم كفرة فسقة روافض، لا يحل