Skip to content

Books to be read, not browsed

إعجاز القرآن للباقلاني

From ⁧إعجاز القرآن للباقلاني⁩ by ⁧أبو بكر الباقلاني محمد بن الطيب⁩ — leaf 38 of 104.

ساكن الريح نطوف ال * - مزن منحل العزالى (1 / وقوله: (من تزكى فإنما يتزكى لنفسه) (2) .

كقول الشاعر من بحر الخفيف: كل يوم بشمسه * وغد مثل أمسه وكقوله عزوجل: (ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب) (3) قالوا: هو من المتقارب.

وكقوله: (ودانية عليهم ظلالها وذللت قطوفها تذليلا) (4) .

ويشبعون حركة الميم، فيزعمون أنه من الرجز.

وذكر عن أبي نواس أنه ضمن ذلك شعرا، وهو قوله (5) : وفتية في مجلس وجوههم * * ريحانهم قد عدموا التثقيلا (دانية عليهم ظلالها * وذللت قطوفها تذليلا) وقوله عز وجل: (ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم

مؤمنين) (6) .

زعموا أنه من الوافر، كقول الشاعر (7) : لنا غنم نسوقها غزار * كان قرون جلتها عصي (8) / وكقوله عز وجل: (أرأيت الذي يكذب بالدين.

فذلك الذي يدع اليتيم) (9) ضمنه أبو نواس في شعره ففصل، وقال: " فذاك الذي " وشعره: وقرا معلنا ليصدع قلبي * والهوى يصدع الفؤاد السقيما (10) أرأيت الذي يكذب بالدي * - ن فذاك الذي يدع اليتيما

وهذا من الخفيف.

كقول الشاعر: وفؤادي كعهده بسليمى * بهوى لم يحل ولم يتغير (1) وكما ضمنه في شعره من قوله: سبحان من سخر هذا لنا * (حقا) وما كنا له مقرنين (2)

فزاد فيه حتى انتظم له الشعر.

وكما يقولونه في قوله عز وجل: (والعاديات ضبحا، فالموريات قدحا) (3) ونحو ذلك من القرآن كثير، كقوله: (والذاريات ذروا.

فالحاملات وقرا.

فالجاريات يسرا) (4) .

وهو عندهم شعر من بحر البسيط.

والجواب عن هذه الدعوى التي ادعوها، من وجوه: / أولها: أن الفصحاء منهم حين أورد عليهم القرآن، لو كانوا يعتقدونه شعرا، ولم يروه خارجا عن أساليب كلامهم - لبادروا إلى معارضته، لان الشعر مسخر لهم مسهل عليهم، ولهم فيه ما علمت من التصرف العجيب، والاقتدار اللطيف.

فلما لم نرهم اشتغلوا بذلك، ولا عولوا عليه -: علم أنهم لم يعتقدوا فيه شيئا مما يقدره الضعفاء في الصنعة، والمرمدون في هذا الشأن.

وإن استدراك من يجئ الآن على فصحاء قريش وشعراء العرب قاطبة في ذلك الزمان وبلغائهم وخطبائهم، وزعمه أنه قد ظفر بشعر في القرآن [وقد] ذهب أولئك النفر عنه وخفى عليهم مع شدة حاجتهم (5) [عندهم] إلى الطعن في القرآن والغض منه والتوصل إلى تكذيبه بكل ما قدروا عليه - فلن يجوز أن يخفى على أولئك، وأن يجهلوه، ويعرفه من جاء الآن، وهو بالجهل حقيق! إذا كان كذلك، علم أن الذي أجاب به العلماء عن هذا السؤال سديد، وهو أنهم قالوا: أن البيت الواحد وما كان على وزنه لا يكون شعرا، وأقل الشعر

بيتان فصاعدا.

وإلى ذلك ذهب أكثر أهل صناعة العربية من أهل الإسلام.

وقالوا أيضا: إن ما كان على وزن بيتين، إلا أنه يختلف وزنهما أو قافيتهما (1) - فليس بشعر.

/ ثم منهم من قال: إن الرجز ليس بشعر أصلا، لا سيما إذا كان مشطورا أو منهوكا.

وكذلك ما كان يقاربه (2) في قلة الأجزاء.

وعلى هذا يسقط السؤال.

ثم يقولون: إن الشعر إنما يطلق، متى قصد القاصد إليه - على الطريق الذى يعتمد ويسلك، ولا يصح أن يتفق مثله إلا من الشعراء، دون ما يستوي فيه العامي والجاهل، والعالم بالشعر واللسان وتصرفه وما يتفق من كل واحد، فليس يكتسب اسم الشعر ولا صاحبه اسم شاعر، لأنه لو صح أن يسمى كل من اعترض في كلامه ألفاظ تتزن بوزن الشعر، أو تنتظم انتظام بعض الأعاريض، كان الناس كلهم شعراء، لأن كل متكلم لا ينفك من أن يعرض في جملة كلام كثير يقوله، ما قد يتزن بوزن الشعر وينتظم انتظامه.

ألا ترى أن العامي قد يقول لصاحبه: " أغلق الباب وائتني بالطعام ".

ويقول الرجل لأصحابه " اكرموا من لقيتم من تميم "؟ ومتى تتبع الانسان هذا [النحو] عرف أنه يكثر في تضاعيف الكلام مثله وأكثر منه (3) .

/ وهذا القدر الذي يصح فيه التوارد، ليس يعده أهل الصناعة سرقة، إذا لم تعلم فيه حقيقة الأخذ.

كقول امرئ القيس: وقوفا بها صحبي علي مطيهم * يقولون لا تهلك أسى وتجمل (4)

وكقول طرفة: وقوفا بها صحبي علي مطيهم * يقولون لا تهلك أسى وتجلد (1) ومثل هذا كثير.

فإذا صح مثل ذلك في بعض البيت ولم يمتنع التوارد فيه، فكذلك لا يمتنع وقوعه في الكلام المنثور اتفاقا غير مقصود إليه، فإذا اتفق لم يكن ذلك شعرا.

وكذلك يمتنع التوارد على بيتين، وكذلك يمتنع في الكلام المنثور وقوع البيتين ونحوهما.

فثبت بهذا أن ما وقع هذا الموقع لم يعد شعرا، وإنما يعد شعرا ما إذا قصده صاحبه: تأتى له، ولم يمتنع عليه.

/ فإذا كان هو مع قصده لا يتأتى له، وإنما يعرض في كلامه عن غير

قصد إليه - لم يصح أن يقال: إنه شعر، ولا أن صاحبه شاعر، ولا يصح أن يقال: إن هذا يوجب أن مثل هذا لو اتفق من شاعر فيجب أن يكون شعرا، لأنه لو قصده لكان يتأتى له (2) .

وإنما لم يصح ذلك، لأن ما ليس بشعر فلا يجوز أن يكون شعرا من أحد، وما كان شعرا من أحد من الناس كان شعرا من كل أحد (3) .

ألا ترى أن السوقي (4) قد يقول: " اسقني الماء يا غلام سريعا "، وقد يتفق ذلك من الساهي ومن لا يقصد النظم.

فأما الشعر (5) إذا بلغ الحد الذي بينا، فلا يصح أن يقع إلا من قاصد إليه.

وأما الرجز فإنه يعرض في كلام العوام كثيرا، فإذا كان بيتا واحدا فليس ذلك بشعر.

وقد قيل: إن أقل ما يكون منه شعرا أربعة أبيات، بعد أن تتفق قوافيها، ولم يتفق ذلك في القرآن بحال.

Ed. al-Sayyid Ahmad Saqr — Dar al-Ma'arif, Egypt — 5th ed., 1997 CE