Skip to content

١٤. التطوّر

السؤال: إن كان الإنسانُ نتاجَ آليةٍ عمياء تعمل بالتباين والانتقاء، فأين موضعُ الخلق؟

الجوابُ في سطرين: الانتخابُ الطبيعيُّ نظريةٌ راسخةُ الأدلّة في تفسير تنوّع الأحياء، وهذه مسألةُ علمٍ تُحسم بالأدلّة لا بالمواقف. وأمّا «أنّ الطبيعةَ هي كلُّ ما هو موجود» فليست نتيجةً من نتائج البيولوجيا بل موقفٌ فلسفيٌّ يُضاف إليها — ودمجُ الطبقتين هو الغلط، ويقع فيه الفريقان معًا.

أوّلًا: كلمةٌ واحدةٌ تُفسد نصفَ الجدل

في الكلام الدارج: «عندي نظريةٌ أنّ الجارَ أخذ الدرّاجة» — أي تخمينٌ لم يُختبر. وفي العلم، «النظرية» هي أرفعُ ما يبلغه التفسير: بناءٌ شارحٌ اجتاز اختباراتٍ كثيرة، وربط وقائعَ متفرّقة، وتنبّأ بما لم يُرَ بعد. والتخمينُ غيرُ المختبَر يُسمّى فرضية.

فمن قال «مجرّد نظرية» ثمّ دخل غرفةَ عمليات، فقد ائتمن على بطنه ما استهان به بلسانه: النظريةُ الجرثوميةُ للمرض «مجرّد نظرية» بالمعنى نفسِه، وعليها تُعقَّم الأدواتُ وتُغسَل الأيدي.

*وأين ينكسر*: تفاوتُ الرسوخ بين النظريات حقيقيّ، ومن سلّم بالجرثومية لم يلزمه التسليمُ بكلّ ما يُسمّى نظريةً في كلّ علم. فالمثالُ يُصحّح معنى الكلمة، ولا يقيس درجةَ التأييد في مسألةٍ بعينها.

ثانيًا: طرفٌ من الأدلّة — بأمانةٍ لا بتهويل

الآليةُ في سطر: تباينٌ بين الأفراد، ووراثةٌ لهذا التباين، وتفاضلٌ في البقاء والتناسل. متى اجتمعت الثلاثة تغيّرت نسبُ الصفات في الأجيال — وهذا وصفٌ لما يقع، لا دعوى تحتاج نصرة.

وقد كان هذا القسمُ في أوّل كتابته يخرج بصفر: عنوانُه «طرفٌ من الأدلّة» ولا دليلَ فيه. ووصفُ الآلية ليس دليلًا على وقوعها، والشاهدُ الوحيدُ المسوق كنتُ أسحبه في الفقرة التالية. فدعوى «راسخةُ الأدلّة» كانت تبقى بلا سطرٍ يسندها، في فصلٍ قاعدتُه «فاطلب المصدر». فهذا سدُّ الثغرة:

والأدلّةُ من أبوابٍ مستقلّةٍ يشدّ بعضُها بعضًا:

  • التسلسلُ الطبقيُّ المتداخل: تُرتَّب الأحياءُ في شجرةٍ متداخلةٍ بالمقارنة التشريحية، ثمّ تُرتَّب مرّةً أخرى بالمقارنة الجزيئية وحدَها بلا نظرٍ إلى الشكل — فيتطابق الترتيبان. ولم يكن يلزم أن يتطابقا.
  • الفيروساتُ القهقريّة الداخلية: بقايا فيروساتٍ اندمجت في الجينوم، تَرِد في المواضع نفسِها من جينوم الإنسان والشمبانزي. واندماجُها موضعٌ عشوائيّ، فتوافقُ الموضع في نوعين لا يُفسَّر بالوظيفة.
  • اندماجُ الصبغيّين: للشمبانزي أربعةٌ وعشرون زوجًا وللإنسان ثلاثةٌ وعشرون. والتنبّؤُ أن يكون صبغيٌّ بشريٌّ ناتجَ اندماجِ اثنين — فوُجد في الصبغيّ الثاني أثرُ قسيمٍ مركزيٍّ ثانٍ معطَّل، وقُسيماتٌ طرفيّةٌ في وسطه حيث لا ينبغي أن تكون.
  • التوزيعُ الجغرافيّ: أحياءُ الجزر البركانية أشبهُ بأحياء أقربِ برٍّ إليها لا بأحياءِ جزرٍ تشبهها في المناخ.
  • الحفرياتُ الانتقالية في مواضعَ تُنبّأ بها قبل الحفر: يُحدَّد العمرُ والطبقةُ والموضعُ الجغرافيّ ثمّ يُحفر فيوجد.

وكلُّ بابٍ من هذه كان يمكن أن يكذّب الآخر ولم يفعل — وذاك موضعُ الرسوخ، لا كثرةُ الشواهد. فأرنبٌ واحدٌ في طبقةٍ من العصر الكامبريّ، أو شجرةٌ جزيئيةٌ تخالف التشريحية مخالفةً منهجية، كافٍ لهدم البناء. وهذا هو معنى أنّها قابلةٌ للتكذيب ولم تُكذَّب.

وأشهرُ ما يُساق في العربية تجربةٌ طويلة على بكتيريا الإشريكية القولونية، ظهرت فيها سلالةٌ تستفيد من مركّب السترات في وجود الأكسجين بعد نحو ٣١٬٥٠٠ جيل.

وهنا موضعُ الأمانة في الجهتين. الورقةُ المنشورة سنة ٢٠٠٨ لا تحدّد الطفرةَ أصلًا وتنصّ على أنّ الأساسَ الوراثيّ لم يُعرَف بعد، وموضوعُها التعاقبُ التاريخيّ — أنّ تغيّرًا سابقًا هيّأ الأرضَ لتغيّرٍ لاحق.

ثمّ حُدّد سنة ٢٠١٢: تضاعفٌ ترادفيٌّ نقل ناقلَ السترات إلى جوار محفّزٍ يعمل في وجود الأكسجين، ثمّ تلته زياداتٌ في عدد النسخ. فلا هي «معلومةٌ جديدةٌ من عدم» كما يُنقل تأييدًا — إذ المادّةُ الوراثية كانت موجودة — ولا هي «تعطيلُ جينٍ موجود» كما يُنقل ردًّا — إذ نشأت وظيفةٌ منظَّمةٌ لم تكن.

وقد وقفتُ أنا نفسي عند ورقة ٢٠٠٨ وسكتُّ عن التي تفصل، وهي منشورةٌ منذ أكثرَ من عقد. وذاك هو بعينه ما اتّهمتُ به ناقلَ رقم بنروز: أن يأخذ مرجعًا عند نقطةٍ لا يحسم فيها ويغفل ما يحسم — فعلتُه في قسمٍ عنوانُه «بأمانةٍ لا بتهويل»، والسكوتُ في هذا الموضع أثقلُ منه في غيره. والفريقان ينقلان الورقةَ القديمة ويسكتان عن التي تفصل، وأنا كنتُ ثالثَهما.

وأنا أذكر هذا التحفّظ وهو في غير صالح الطرف الذي يظنّ القارئُ أنّي معه، لسببٍ واحد: المرجعُ الذي يُنقل على غير وجهه ينقلب على ناقله عند أوّل من يفتحه.

ثالثًا: أضعفُ ما نسوقه نحن — أربعةُ مواضع

١. من يُستشهد به يقول غيرَ ما نُسب إليه. أشهرُ من صاغ حجّة «التعقيد غير القابل للاختزال» يقبل في الكتاب نفسِه أصلَ الأنواع المشترك وعمرَ الأرض بالمليارات، ولا يسمّي المصمِّمَ إلهًا ويصرّح بأنّ حجّتَه لا تحدّد هويّتَه. فأكثرُ من ينقله عندنا ينقل عن رجلٍ يخالفهم في أصل دعواهم، وهو لا يدري.

٢. الحكمُ القضائيُّ ليس حكمًا علميًّا. يُساق حكمُ محكمةٍ أمريكية سنة ٢٠٠٥ بأنّ «التصميم الذكيّ» ليس علمًا، فيردّه بعضُنا بأنّه «رأيُ قاضٍ واحد» — وهذا يُهمل أنّ وقائعه أُثبتت بشهادةٍ خبيرةٍ واستجوابٍ مضادّ ودليلٍ نصّيّ. ويسوقه آخرون كأنّه فصلٌ في المسألة — وهو لا يُلزم خارج دائرته ولا يُنشئ حقيقةً علمية. فلا هو برهانٌ ولا هو رأيُ رجل، وكلا الاستعمالين خطأ.

٣. الرقمُ المأخوذُ من نزاعٍ لا يُفهم موضعُه. يُقال إنّ «٨٠٪ من الجينوم وظيفيّ» فسقطت دعوى «الحمض النوويّ الخردة». وأوّلُ النزاع في حدّ الكلمة: أهي «الوظيفة» بمعنى نشاطٍ كيميائيٍّ حيويٍّ يُرصد، أم بمعنى أثرٍ أبقاه الانتقاء؟

ومعه نقدٌ قياسيٌّ لا يقلّ عنه — وقد كنتُ أنفيه فأخطأت. الورقةُ الناقدةُ تقول إنّ الرقمَ منفوخٌ بالإيجابيات الكاذبة: أنّ توسيعَ التعريف يزيد الإيجابياتِ الكاذبةَ فيزيد مجموعُ ما يُعدّ «وظيفيًّا»، وأنّ موضعَ ارتباط عامل النسخ حُسب بنحو ستّمئة قاعدة والفعليُّ منه بضعُ قواعد، وأنّ قدرًا كبيرًا من الجينوم يقع في باب سوء المحاذاة. فالنقدُ في حدّ الكلمة وفي القياس معًا، والدعوى تبقى قائمةً بعد التصحيح بل تزداد. فمن نقل الرقمَ ولم ينقل موضعَ النزاع بنى على ما لا يحمل.

٤. الاقتباسُ المبتور. تُنقل عن أشهر خصوم التصميم جملةُ «البيولوجيا دراسةُ أشياءَ تبدو مصمَّمة» على أنّها اعتراف. وهي ليست اعترافًا — لكنّ التعليلَ الذي كتبتُه لذلك كان خطأً في نفسه، فأصحّحه: قلتُ إنّه «يصوغ بها موقفَ خصمه تمهيدًا لنقضه»، والصوابُ أنّها دعوى الرجل نفسِه، يقرّر بها ما يجب تفسيرُه لا ما يسلّم به، ثمّ يمضي الكتابُ كلُّه في ردّ هذا «المظهر» إلى آليةٍ عمياء. ومدارُها على كلمة «تبدو».

والقاعدةُ الصحيحة: لا يُقتطع من كاتبٍ تقريرُه للمسألة فيُقرأ تسليمًا بها. وكانت القاعدةُ المكتوبة هنا «لا يُقتبس من خصمٍ في الموضع الذي يصوغ فيه رأيَ غيره» — وهي قاعدةٌ صحيحةٌ في نفسها لكنّها لا تنطبق على هذا المثال، وقد بُنيت عليه. وأن يقع هذا في فصلٍ موضوعُه «المرجعُ الذي يُنقل على غير وجهه ينقلب على ناقله» ليس شيئًا أمرّ عليه بسطر.

والقاعدةُ الجامعة: من نصر دينَه بنقلٍ مبتورٍ أضرّ به. القارئُ الذي يرجع إلى الأصل لا يخسر ذلك النقل وحده — يخسر ثقتَه في الصفحة كلِّها، ثمّ في الباب كلِّه.

رابعًا: الطبقتان — وعليهما مدارُ الفصل

الطبقةُ الأولى: التطوّرُ بوصفه آليةً بيولوجية. مسألةُ علمٍ، أدلّتُها من المعمل والحفريات والجينوم، تُقبل أو تُردّ بالنظر فيها لا بالموقف منها.

الطبقةُ الثانية: الطبيعانيةُ الشاملة — أنّ لا شيء موجودًا إلا المادّة وما ينشأ عنها.

وقد ردَدتُها أوّلَ مرّةٍ بأنّها «ليست في المعمل ولا تخرج منه لأنّها ليست نتيجةَ تجربة» — وهذا ردٌّ على صيغةٍ لا قائلَ بها. لا يقول محترفٌ إنّ الطبيعانيةَ خرجت من أنبوبة اختبار. صيغتُها الحقيقية أنّها استدلالٌ على أفضل تفسيرٍ من سجلٍّ تراكميّ: كلّما فُحص بابٌ وُجد له تفسيرٌ طبيعيّ، ولم يُفلح تفسيرٌ بغير الطبيعيّ في بابٍ واحدٍ فحصًا مستقلًّا، فترجيحُ أن يكون هذا هو الحال في الباقي. وهذا نمطُ استدلالٍ يُستعمل داخل العلم لا خارجه — بل النظريةُ الجرثوميةُ التي احتججتُ بها في القسم الأوّل من هذا النمط بعينه. فردُّها بأنّها «ليست نتيجةَ تجربة» يُبطل معها العلمَ الذي أدافع عنه.

فما الجوابُ عن الصيغة الحقيقية؟ ثلاثةُ أشياء، وأقول حدَّ كلٍّ منها:

  • السجلُّ صحيح، والاستقراءُ عليه معتبر. أربعةُ قرونٍ من التفسير الطبيعيّ الناجح ترفع احتمالَ الطبيعانية رفعًا حقيقيًّا، ولا أنازع في ذلك. ومن أنكره أنكر معطًى.
  • ومحلُّ الاستقراء ما دخل المعمل. والسجلُّ كلُّه في «كيف يجري ما يجري» داخلَ نظامٍ قائم. وسؤالُ «لِمَ يوجد نظامٌ أصلًا» لم يدخل السجلَّ لا مفسَّرًا ولا مخفقًا، فالاستقراءُ لا يمرّ عليه لا نفيًا ولا إثباتًا. وهذا فارقٌ في محلّ الاستقراء لا في قوّته.
  • وهذا ترجيحٌ لا إلزام، والغلبةُ فيه لهم لا لي. من أخذ بالسجلّ التراكميّ وانتهى إلى الطبيعانية لم يخالف منطقًا ولا أهمل معطًى، وأمينُ الملاحدة يكتب في هذا كتابًا مستقلًّا يرى فيه الطبيعانيةَ أرجحَ نظريًّا وأبسطَ. وأقصى ما أقوله: أنّ الاستقراءَ على ما جرى داخل النظام لا يفصل في سؤالٍ عن النظام نفسِه. وهذه دعوى تُنازَع، لا نقطةٌ أُسجّلها.

مشهدٌ يقرّب الفرق بين الطبقتين: كاميرا المراقبة. الشريطُ يريك حركةَ السيارة لحظةً بلحظة، تسلسلًا تامًّا لا فجوةَ فيه، من دخول الشارع إلى الوقوف. ومن قال «الشريطُ تامٌّ فليس ثمّ سائق» فقد قال شيئًا لا يقوله الشريط: الشريطُ صُوِّر من فوق، ولم يوجَّه إلى المقعد قطّ.

*وأين ينكسر*: نحن نعلم سلفًا أنّ السيارات تُقاد، فالمثالُ يُري استقلال الطبقتين ولا يُثبت أنّ للعالم سائقًا. وأزيد: للخصم أن يقول إنّ مئةَ شريطٍ لم يظهر في واحدٍ منها سائقٌ قطُّ تُرجّح أن لا سائق — وهذا هو السجلُّ التراكميّ يعود من باب المثال، وهو ردٌّ وجيه. فالمثالُ يفصل الطبقتين ولا يمنع الاستقراءَ من العمل بينهما.

والشاهدُ على أنّ الفصل حقيقيٌّ لا حيلةُ متديّن: أنّه قائمٌ عند الطرفين.

  • أشهرُ فيلسوفٍ معاصرٍ يخاصم الطبيعانية — ألفن بلانتينغا — يقبل أصلَ الأنواع المشترك ويصرّح به، وخصومتُه مع الطبقة الثانية. وأزيد قيدًا كان ساقطًا عندي: هو يشكّك في الداروينية بمعنى الآلية غير الموجَّهة، ونصُّه أنّ الذي يستلزم ما يقوله ليس نظريةَ التطوّر بل التطوّرُ غيرُ الموجَّه. فمن نقل عنّي «يقبل التطوّر» بإطلاق فهم أنّه يقبل الداروينية كما يعرضها البيولوجيّ، وليس كذلك. وأن أقع في نسبةٍ تجاوز نصَّ صاحبها في فصلٍ يحذّر منها هو مثالُ الفصل على نفسه. وحجّتُه المشهورة لا تُبطل البيولوجيا ولا تُثبت إلهًا، فمن نقلها عندنا إبطالًا للتطوّر خالف صاحبَها.
  • وفي المقابل: توماس ناجل يعلن إلحادَه ويرفض في الوقت نفسه التصوّرَ المادّيَّ الداروينيَّ الجديد، ويطلب بديلًا غائيًّا بلا فاعلٍ عاقل. فمن نقله عندنا «رجوعَ فيلسوفٍ كبيرٍ إلى الله» نسب إليه ضدَّ نصّه المكتوب في صفحاته الأولى.

فالرجلان يقفان على طرفي النقيض، ويتّفقان عمليًّا على شيءٍ واحد: أنّ الطبقتين تنفصلان. ومن دمجهما — أيًّا كان — أضاف إلى العلم ما ليس منه.

خامسًا: ولمن يقرأ هذا وهو خائف — ولمن لم يعد خائفًا

إن كنتَ نشأتَ على أنّ إنكار التطوّر شرطٌ في إيمانك، ثمّ دخلتَ كلّيةً تُريك من الأدلّة ما لا تستطيع أن تكذّبه بعينك، فأنت في موضعٍ لا يُحسد عليه أحد: بين شيءٍ تراه وشيءٍ تحبّه.

والذي أقوله بأمانة: هذا الشرطُ اشترطه عليك من علّمك، لا المسألةُ في نفسها. ولأهل الدين في هذا مواقفُ مختلفة — منهم من يقبل الآليةَ كلَّها ويراها كيفيةَ الصنع، ومنهم من يقبلها فيما دون الإنسان ويقف عنده، ومنهم من يردّها. وهذا الكتاب لا يفصل بينهم، وليست وظيفتُه ذلك.

وأمّا من مضى به الأمرُ فخرج: فلستُ أخاطبك بوصفك حالةً في الطريق إلى موضعٍ تعود إليه. الذي في هذا الفصل يصلح لك بمعنًى واحد: أنّ من كذّبك في البيولوجيا ثمّ طلب منك أن تصدّقه في الغيب كان يطلب ما لا يستحقّ. وأنت لمّا رفضتَ لم تُخطئ، بل استعملتَ القاعدةَ التي أقرّرها أنا في هذا الكتاب. وإن انتهيتَ إلى أنّ الباب كلَّه لا يستحقّ العودة، فهذا الفصلُ لا يزعم أنّه يردّك — غايتُه أن يمنع أن يُنسب إلى العلم ما ليس منه، سواءٌ نسبه مؤمنٌ أو ملحد.

والذي يعنيه أنّ وجود الله لا يتوقّف على أيٍّ من هذه المواقف. فإن رجّحتَ الآليةَ فلستَ خارجًا من بابٍ ولا داخلًا في آخر — أنت رجّحتَ مسألةً في علم الأحياء. ولك أن تخرج من هذا الفصل على رأيك أيًّا كان، فليس في هذا الكتاب شرطٌ عليك أن تقتنع.

وما لا يُثبته هذا الفصل

لا يُثبت أنّ التطوّر يقتضي الإيمان، ولا أنّ الدين يقتضي التطوّر، ولا أنّ الله موجود. غايتُه واحدة: أن يُرفع عن القارئ شرطٌ لم يلزمه، وأن يُبيَّن أنّ من جعل البيولوجيا معركةَ عقيدةٍ وضع الدينَ في موضعٍ يخسر فيه بلا حاجة.

ولا يُبطل الطبيعانية. غايتُه أنّ البيولوجيا وحدَها لا تستلزمها، والسجلُّ التراكميُّ يرجّحها ترجيحًا حقيقيًّا لا أنكره. ومن قرأ الفصلَ إبطالًا لها فقد قرأ فيه ما ليس فيه.