Skip to content

١٣. أليس العلمُ قد أغنى؟

السؤال: إذا كان العلمُ يفسّر المطرَ والمرضَ والزلزالَ وحركةَ النجوم، فما الذي بقي لله يفعله؟

الجوابُ في سطرين: العلمُ يجيب عن سؤال «كيف يجري ما يجري»، وسؤالُ الإله سؤالٌ عن «لِمَ يوجد شيءٌ يجري أصلًا، ولِمَ ينتظم». وتمامُ الجواب الأوّل ليس إبطالًا للثاني. وهذا لا يُثبت أنّ الله موجود — كلُّ ما يفعله أنّه يُسقط دعوى أنّ العلمَ أثبت أنّه غيرُ موجود؛ وهما شيئان مختلفان سأحرص على ألّا أخلطهما.

مشهدٌ أوّل: تقريرُ المعمل

احترق مخزنٌ ليلًا. وبعد أسبوعٍ يصل تقريرٌ من المعمل الجنائيّ في اثنتي عشرة صفحة: نقطةُ البدء في الركن الشماليّ الشرقيّ، والمادّةُ التي عجّلت الاشتعال، وتسلسلُ الانتشار دقيقةً بدقيقة حتى انهيار السقف، وسببُ عدم عمل الرشّاشات. التقريرُ تامٌّ لا ثغرةَ فيه، وكلُّ سطرٍ فيه مقيسٌ ومُثبت.

ثم يجلس المحقّق ويسأل سؤالًا واحدًا: ومن أشعله؟ ولماذا؟

ولا يقوم أحدٌ في القاعة ليقول: «هذا سؤالٌ ساقط، فالتقريرُ كامل». الجميعُ يفهم بلا شرحٍ أنّ كمالَ الجواب عن «كيف» لم يمسّ سؤال «لماذا» بشيء — لم يُجبه ولم يُلغه.

*وأين ينكسر المثال*: نحن نعلم سلفًا أنّ للمخازن أصحابًا وأنّ للناس دوافع، فسؤالُ «لماذا» في الحريق مضمونُ الوجاهة قبل أن يُسأل. والدعوى في بابنا أنّ للعالم سؤالَ «لماذا» أصلًا — وهذا هو المتنازَع فيه لا نتيجتُه. فالمثالُ يُري استقلال السؤالين، ولا يُثبت أنّ للكون مُشعِلًا. ومن جعله دليلًا فقد حوّل تشبيهًا إلى برهان، وذاك أشهرُ ما يقع في هذا الباب.

وهنا يأتي الاعتراضُ الأقوى، فخذه كاملًا

يقول المعترض — وهو محقٌّ فيما سأنقله عنه:

«هذا الكلامُ جميلٌ في التجريد. أمّا في التاريخ فقد كان الإلهُ دائمًا اسمًا لما لا نعرف. البرقُ كان فعلًا إلهيًّا حتى فُهمت الكهرباء. والوباءُ كان عقابًا حتى رُئيت الجرثومة. وحركةُ الكواكب كانت تحتاج دفعًا إلهيًّا حتى كُتب قانونُ الجاذبية. وفي كلّ مرّةٍ ينسحب الإلهُ خطوةً ويقول أهلُه: هو في ما بقي. فأنتم لا تصفون إلهًا، تصفون حدودَ معرفتكم في سنةِ الكتابة — ودعوى تخسر أرضًا في كلّ جيل لا تُبنى عليها ثقة.»

وهذا اعتراضٌ وجيه. وأنا لا أقول بالصيغة التي يهدمها — وأعلن ذلك قبل أن أدافع عن شيء، لأنّ من دافع عن صيغةٍ رديئةٍ ظنًّا منه أنّه يدافع عن الدين، خسر الاثنين.

مشهدٌ ثانٍ: «شيءٌ في اللوحة»

المصعدُ في عمارتكم يتوقّف مرّةً في الأسبوع بلا نمط. تقول شركةُ الصيانة: «شيءٌ في اللوحة». يأتي الفنّيُّ فيستبعد المحرّك، ثم الكابل، ثم مفتاحَ الأمان، ثم لوحةَ التحكّم. وكلّما فُتح غطاءٌ ضاقت العبارةُ خطوة، حتى صارت بحجم حسّاسٍ في الباب.

من بنى ثقتَه على سعة العبارة خسر مع كلّ غطاءٍ يُفتح. وهذه هي حجّةُ المعترض بعينها، وهي صحيحةٌ حيث تنطبق.

*وأين ينكسر*: ليس كلُّ استدلالٍ بما لم يُفسَّر من هذا الباب. وثمّ فرقٌ بين قولك «لا نعرف السبب بعدُ» وقولك «هذا صنفٌ من الأسئلة ليس ممّا تجيب عنه هذه الأداة». وإهمالُ هذا الفرق يجعل التهمةَ تبتلع كلَّ سؤالٍ فلسفيٍّ سلفًا — وذاك خصمٌ لا حَكَم.

وكيف نفرّق بينهما بلا مصادرة؟

أسهلُ شيءٍ أن يقول كلُّ مدافعٍ عن فجوةٍ إنّ فجوتَه من الصنف الثاني. فلا بدّ من فارقٍ يُذكر قبل النزاع لا بعده. وهذا هو:

الاستدلالُ بالفجوة يستند إلى ما لم يُفسَّر بعدُ، فهو رهنُ ورقةٍ تُنشر غدًا. والاستدلالُ بالانتظام يستند إلى ما فُسِّر فعلًا، فموضوعُه لا يزول بمزيدٍ من التفسير — لأنّه سؤالٌ عن الوصف الناجح نفسِه لا عمّا يعوزه.

فمن قال «لا نعرف كيف نشأت الخليّة الأولى، فالله» فقد رهن دعواه بمقالةٍ قد تُنشر غدًا. ومن قال «العالمُ يقبل الوصفَ الرياضيَّ المختصر» فقد أشار إلى معطًى قائمٍ لا إلى ثغرة.

ولستُ أدّعي لهذا الفارقِ حصانة. فالتاريخُ يُري أنّ ما ظُنّ انتظامًا نهائيًّا رُدَّ إلى انتظامٍ أعمّ: مداراتُ الكواكب عند نيوتن احتاجت تدخّلًا إلهيًّا يثبّتها من الاضطراب التراكميّ، ثمّ استغنت عنه لمّا عولجت المسألةُ رياضيًّا بعده بقرن — وذاك انتظامٌ لا فجوةٌ في الوصف. وانخفاضُ إنتروبيا الحالة الابتدائية طُلب له قانونٌ فيزيائيٌّ سنة ١٩٧٩، وهو الذي سأذكره بعد قليل مثالًا علينا. فالذي أقوله: أنّ ردَّ انتظامٍ إلى انتظامٍ أعمق ينقل السؤال ولا يُلغيه — وهذه دعوى قد تُخطئ، لا دعوى لا يمسّها شيء.

وأمّا موقعُها من العلم فأقوله صريحًا: سؤالُ «لِمَ يوجد انتظامٌ لا فوضى» لا يُفصل فيه في معمل، فليس لي أن أقدّمه بوصفه نتيجةً علمية، ولا أن أحتجّ بأنّه لا يُبطله اكتشاف — فذاك ليس فضيلةً فيه، إنّما هو وصفٌ لصنفه. ومن جعل المناعةَ من التقدّم شهادةَ نزاهةٍ فقد جعل عدمَ القابلية للتكذيب مزيّة، وهي في العلم عيبٌ لا مزيّة.

وما هو «الانتظام» على التعيين؟

قيل لي بحقٍّ إنّ هذه أمتنُ ما في الفصل ولم أقل فيها إلا سطرًا، وإنّي أعطيتُ ثلاثةَ أمثلةٍ للاستدلال الفاسد بالفجوة وصفرَ أمثلةٍ للجيّد. فهذا تفصيلُها.

والكلمةُ تحمل ثلاثةَ معانٍ تُخلط، وهي متفاوتةُ القوّة:

١. الاطّراد — أنّ ما يجري ههنا اليوم يجري هناك غدًا على النمط نفسِه. طيفُ الهيدروجين في مجرّةٍ يبعد عنّا ملياراتِ السنين الضوئية هو هو في المعمل، فثابتُ البنية الدقيقة لم يتغيّر في المدى المقيس. وهذا معطًى، لا افتراض.

٢. الانضغاط — وهو أقواها عندي. ليست المسألةُ أنّ للعالم قوانين، بل أنّ وصفَه أقصرُ منه بما لا يُقاس. تخيّل مكتبةً فيها مليارُ كتاب: أن تجد كتابًا بعينه في رفّه شيء، وأن تجد أنّ المكتبةَ كلَّها يدلّ عليها فهرسٌ في صفحتين شيءٌ آخر تمامًا. والفيزياءُ من الصنف الثاني: معادلاتُ ماكسويل أربعُ سطورٍ تصف كلَّ ظاهرةٍ كهرومغناطيسية في الكون. وليس في المنطق ما يوجب أن يكون العالمُ قابلًا للاختصار — عالمٌ تكون فيه كلُّ ذرّةٍ قانونًا لنفسها متصوَّرٌ بلا تناقض، وهو أشبهُ بمكتبةٍ فهرسُها بحجمها.

٣. فاعليّةُ الرياضيات — أنّ بنًى رياضيةً وُضعت لغير غرضٍ تجريبيّ تصلح بعد عقودٍ لغةً للطبيعة. الهندسةُ الريمانية طُوّرت سنة ١٨٥٤ مسألةً في الرياضة البحتة، ثمّ صارت لغةَ النسبية العامّة سنة ١٩١٥. وحسابُ المصفوفات كان بابًا في الجبر ثمّ صار صيغةَ ميكانيكا الكمّ. وهذه هي التي سمّاها فيزيائيٌّ كبيرٌ سنة ١٩٦٠ «فاعليّةً غيرَ معقولة» وقال إنّها هبةٌ لا نفهمها ولا نستحقّها. وهو لم يستنتج منها إلهًا، وأنا أنقله على وجهه.

والفرقُ بينه وبين الضبط الدقيق فرقٌ في المحلّ لا في الدرجة: الضبطُ الدقيق يستدلّ بـقيم ثوابتَ بعينها تقع في نطاقٍ ضيّق — وهو معطًى داخل القوانين، ولذلك يُعارض بالكون المتعدّد معارضةً معتبرة. والانتظامُ يستدلّ بوجود قوانينَ قابلةٍ للاختصار أصلًا، بقطع النظر عن قيمها — والكونُ المتعدّد لا يمسّه، لأنّ آلةً تولّد أكوانًا بقوانينَ متنوّعة هي نفسُها انتظامٌ يُسأل عنه. فمن ردّ الضبطَ الدقيق بالكون المتعدّد فقد أصاب محلًّا وأخطأ الآخر.

ولماذا لا يضعف بالتقدّم؟ لأنّ موضوعَه هو نجاحُ الوصف نفسُه. لمّا وحّد ماكسويل الكهرباءَ والمغناطيسية ازداد الانضغاطُ لا نقص. ولمّا وُحّدت الكهرومغناطيسيةُ مع القوّة الضعيفة ازداد. فكلُّ خطوةٍ في اتّجاه التوحيد تزيد المعطى الذي أسأل عنه ولا تنقصه.

وأمّا أقوى ما يواجهه فثلاثة، وأذكرها كما يقولها أصحابُها:

  • «الاطّرادُ واقعةٌ خام» — أن يقال: العالمُ منتظمٌ وكفى، وطلبُ تفسيرٍ لوجود التفسير طلبٌ لا يقف عند حدّ. وثمّ من ينازع في وجود «قوانين» أصلًا ويرى أنّ في العلم نماذجَ وتناظراتٍ لا قوانينَ حاكمة. ومن قال بهذا لم يقع في تناقض، وليس عندي ما يُلزمه.
  • «الانتظامُ النهائيّ لا يقبل السؤال» — إن كانت النظريةُ النهائية واحدةً ممكنةً منطقيًّا، فسؤالُ «لِمَ هذه» ساقطٌ لا مؤجَّل. وهذا احتمالٌ مفتوح، وقد ذكرتُه في أوّل الكتاب فيما يغيّر رأيي.
  • «وأنت تنتقي طرفَ التوقّف» — ولماذا يكون «عقلٌ قاصد» طرفَ توقّفٍ أولى من «واقعةٍ خام»؟ والجوابُ الأمينُ أنّه ترجيحٌ لا إلزام: الشرحُ بالقصد نمطُ شرحٍ نستعمله في مواضعَ أخرى ويجعل المعطى متوقَّعًا، والواقعةُ الخام لا تجعل شيئًا متوقَّعًا ولا تستبعد نقيضَه. وشرطُ الترجيح — كما سيأتي في الفصل الخامس عشر — أن يستبعد الفرضُ نقيضَ المعطى. وهذا كلُّه ترجيحٌ يقبل النزاع، ومن رفضه لم يخالف منطقًا.

وهذه فجوةٌ خسرناها فعلًا — وأذكرها لأنّها علينا

يتداول كثيرٌ من الكتابة العربية رقمًا مهولًا يُنسب إلى روجر بنروز: واحدٌ من عشرةٍ مرفوعةٍ للقوّة عشرةٍ مرفوعةٍ للقوّة مئةٍ وثلاثةٍ وعشرين، ويقال إنّه «احتمالُ نشوء الكون صدفة».

وهو ليس احتمالًا. هو نسبةُ حجمين في فضاءٍ رياضيّ — مقامُ الكسر لا بسطُه — وموضوعُه انخفاضُ إنتروبيا الحالة الابتدائية. وأدهى من ذلك: بنروز نفسُه يسوقه طلبًا لتفسيرٍ فيزيائيّ، وقد اقترح لذلك قانونًا سنة ١٩٧٩ (فرضيّةُ انحناء فايل). فالفجوةُ التي بُني عليها استدلالٌ عندنا كان صاحبُ رقمها يطلب لها سدًّا من الفيزياء قبل أن يُنقل إلينا بعقود.

ومن نقله على غير وجهه لم يخسر هذا الاستدلال وحده. خسر ثقةَ قارئٍ واحد رجع إلى الأصل — ومن كذّبك في موضعٍ يعرفه لم يصدّقك في موضعٍ لا يعرفه.

وأنا أعرف أنّ هذه الجملة تعمل في الاتّجاهين. قال لي من قرأها إنّها قصّتُه حرفًا بحرف: أخرجه شيخٌ قال له عن الجنين ما استطاع أن يفحصه بنفسه فوجده غيرَ صحيح. فهي ورقةُ خروجه لا دعوةُ عودته، وأنا أُبقيها كما هي. لأنّ القاعدة إن لم تصلح إلا حيث تنفعني فليست قاعدة.

وأمّا ما لا يستطيع العلمُ أن يبرهن عليه لأنّه يقف عليه

هذه ليست تهمةً للعلم ولا انتقاصًا منه. هي وصفٌ لبنيته، ويقولها أهلُه قبل غيرهم.

وأقول حدَّها قبل أن أسوقها، لأنّها سيقت من قبلُ بلا حدّ فقُرئت مناورة: لا واحدٌ ممّا سأذكره يُرجّح الإلهيّةَ ولا ينفعها. الإلهُ لا يحلّ مشكلة الاستقراء — بل إن جاز أن تُعلَّق العادة صار الاطّرادُ أقلَّ ضمانًا لا أكثر. ولا يحلّ معايرةَ العقل — إذ تحتجّ بعقلك لتثبت أنّ عقلك موثوق. فالطرفان عالقان في الموضع نفسِه، وذاك تعادلٌ لا تقدّم. وإنّما أسوقها لغرضٍ واحدٍ محدود: أنّ «العلمُ أثبت» و«العلمُ أغنى» عبارتان تفترضان بناءً قائمًا على نفسه، وهو ليس كذلك. ومن قرأها ترجيحًا لجهةٍ فقد قرأ أكثرَ ممّا فيها، ومن كتبها ترجيحًا فقد ناور.

١. أنّ الغدَ يشبه اليوم. تبني يومَك كلَّه على أنّ قطار السابعة يأتي في السابعة، لأنّه أتى في السابعة مئةَ مرّة. وليس في الدنيا تجربةٌ تُثبت أنّ المستقبل يشبه الماضي — لأنّ كلَّ تجربةٍ إنّما تُقرأ بافتراضه. من أراد أن يبرهن على الاطّراد بالتجربة استعمل الاطّرادَ في البرهان عليه.

*وأين ينكسر*: للقطار جدولٌ وشركةٌ وسائق، فانتظامُه من صنع من نعرفهم بغير هذا المثال؛ ومن نقل المشهدَ إلى انتظام العالم فقد أدخل الصانعَ في المثال قبل أن يُثبته.

٢. أنّ عقولنا مؤهَّلةٌ لبلوغ ما تبحث عنه. في المصنع يُعاير كلُّ ميزانٍ على ميزانٍ مرجعيّ في غرفةٍ مضبوطة. فإن سألت: وعلى أيّ شيءٍ يُعاير المرجعُ نفسُه؟ فالجوابُ ليس في المصنع.

*وأين ينكسر*: المرجعُ في المصانع يُعاير فعلًا على مرجعٍ أعلى في هيئةٍ وطنية، فالسلسلةُ تنتهي عمليًّا لا مبدئيًّا. والمثالُ يُري أنّ الأداةَ لا تصحّح نفسَها بنفسها، ولا يُري أنّ فوقها عقلًا.

٣. أنّ الأبسطَ أولى. وهذه قاعدةُ اختيارٍ لا نتيجةَ قياس، وسيأتي الكلام عليها في الفصل الخامس عشر.

والتاريخُ لا يشهد لدعوى «الحرب» — ولا لنقيضها

يُتداول أنّ غاليليو سُجن وعُذّب، وأنّ القرون الوسطى اعتقدت أنّ الأرض مسطّحة. وهذان هما اللذان يقرّر مؤرّخو العلم أنّهما أسطورتان.

ولا يجوز أن أضغط العبارة حتى تُقرأ «لم يقع له شيء». الواقعُ أنّه حوكم سنة ١٦٣٣ أمام محاكم التفتيش، وأُكره على التوبة من قوله، ومُنع كتابُه، وقضى تسعَ سنواتٍ إلى موته تحت الإقامة الجبرية. فالمنفيُّ السجنُ والتعذيب، لا المحاكمةُ ولا الإكراه. وصياغةٌ تُوهم البراءةَ التامّة هي بعينها الحكايةُ التاريخيةُ النظيفة التي أحذّر منها بعد فقرتين — وقد وقعتُ فيها.

وأمّا «أطروحة الصراع» بين الدين والعلم فصناعةُ القرن التاسع عشر على يد كاتبين بعينهما، لا واقعُ التاريخ المستمرّ.

ولا يجوز أن أقف هنا. فالكتابُ الذي يقرّر ذلك يهدم في الجهة الأخرى دعوى أنّ دينًا بعينه كان أمَّ العلم الحديث. وفي تراثنا نظيرُها: رواية «عصرٍ ذهبيٍّ ثمّ انحطاطٍ سببُه رجلٌ بعينه» يهدمها من درس المخطوطات الفلكية فوجد إنتاجًا أصيلًا مستمرًّا إلى القرن السادس عشر — ويهدم معها ما يقوله أنصارُ التراث وخصومُه على السواء. وأقصى ما يقوله أدقُّ من كتب في نشأة العلم أنّ مؤسّساتٍ بعينها كانت شرطًا مهيِّئًا، وتحويلُ الشرط المهيِّئ إلى سببٍ فاعلٍ هو الغلطُ المتكرّر في النقل.

فالخلاصةُ أنّ التاريخ لا يُعطي واحدًا من الفريقين ما يريده. وهذا نفسُه مفيد: من جاءك بحكايةٍ تاريخيةٍ نظيفةٍ في هذا الباب — من أيّ جهةٍ جاء — فاطلب المصدر.

وما لا يُثبته هذا الفصل

لا يُثبت أنّ الله موجود، ولا يرجّح ذلك ترجيحًا يُعتدّ به. غايتُه أن يفكّ اشتباكًا: أن يُرى أنّ سؤال «كيف» وسؤال «لماذا» لا يتزاحمان على موضعٍ واحد، وأنّ من قال «العلمُ أغنى» فقد أجاب عن سؤالٍ غيرِ الذي سُئل.

ثمّ إنّ الاستدلال بالانتظام نفسَه — وهو أمتنُ ما في هذا الفصل — أضعفُ ما في اللاهوت الطبيعيّ عند من راجعه بأمانة: هو يسمّي لغزًا حقيقيًّا ولا يقدّم فرضًا مقيَّدًا يُختبر. ومن قال إنّ الاطّراد واقعةٌ خامّةٌ لا تُفسَّر لم يقع في تناقض. فلا حسم هنا، وسأقولها كلّما صحّت.

*وأين ينكسر — لا المثالُ هذه المرّة بل الدعوى*: قيل لي إنّ هذا القسمَ صار تقنيةً لا أمانة، لأنّه يعترف بكسر المثال ولا يمسّ الدعوى ولا مرّةً واحدة. والملحوظةُ صحيحة، فهذا موضعٌ يمسّ الدعوى: قد يكون الانتظامُ ممّا لا يقبل السؤال أصلًا، إمّا لأنّ النظريةَ النهائية واحدةٌ منطقيًّا، وإمّا لأنّ طلبَ تفسيرٍ لوجود التفسير طلبٌ لا معنى له. وإن صحّ أحدُهما فليس في هذا الفصل شيء، لا مثالًا مكسورًا بل دعوى ساقطة. ولا أملك ما يُسقط الاحتمالين.