Skip to content

١٥. من خلق الله؟ وموسى أوكام

السؤال: إن كان كلُّ شيءٍ يحتاج خالقًا، فمن خلق الله؟ وإن جاز أن يوجد شيءٌ بلا خالق، فلِمَ لا يكون ذلك الشيءُ هو الكونَ فنستريح من الوسيط؟

الجوابُ في سطرين: البرهانُ لا يقول «كلُّ شيءٍ له خالق» — لو قاله لهدم نفسَه في سطرين. يقول: «كلُّ ممكنٍ له علّة»، والممكنُ ما يستوي في حقّه الوجودُ والعدم. وهذا لا يُثبت أنّ الواجبَ إله؛ غايتُه أنّ السؤال بهذه الصيغة لا يُسقط البرهان — ويبقى بعده سؤالٌ آخرُ أعوصُ منه سأعرضه بلا تخفيف.

أوّلًا: خذ السؤال بأقوى صورةٍ يعرفها أهلُه

لا تُختصر هذه الصيغة، فمن اختصرها ردَّ على غير ما قيل له:

«أنتم قلتم: لا شيء يوجد من غير علّة. ثمّ استثنيتم واحدًا. والاستثناءُ ليس عليه دليلٌ إلا حاجتُكم إليه — فهو مُفصَّلٌ على مقاس النتيجة. ثمّ إنّكم إن أذنتم باستثناءٍ واحد، فقد أذنتم بأن يكون المستثنى هو الكونَ نفسَه؛ وعندئذٍ يسقط الوسيطُ ويبقى ما كنّا نراه. فأنتم زدتم كائنًا ولم تنقصوا سؤالًا.»

وقد كتبتُ هنا أوّلَ مرّة: «وهذه ليست صيغةَ مراهقٍ في تعليق، هي ما يقوله فلاسفةٌ محترفون». وأمحوها. الاعتراضُ يُقوَّم بمضمونه لا بمن نطقه، ومن سأله في تعليقٍ سأله كاملًا. وإنّما أذكر ويليام رو وغراهام أوبي لأدلَّك على أين تجد تفصيلَه مكتوبًا في مئتي صفحة، لا لأمنح السؤالَ رخصةً بأن يكون جادًّا.

ثانيًا: الفرق بين «كلّ شيء» و«كلّ ممكن» — ولماذا ليس تحايلًا

مشهد: في عمارةٍ عشرون شقّة، ولوحةٌ على المدخل: «على كلّ ساكنٍ أن يسدّد الإيجار في الخامس من الشهر». يسألك طفلٌ: وكم يدفع المالك؟

الجواب: لا يدفع شيئًا. وليس هذا احتيالًا منه ولا استثناءً منحه لنفسه — بل لأنّ القاعدة قيلت من أوّل سطرٍ في المستأجرين، والمالكُ ليس منهم. وهو ليس معفًى من قاعدةٍ تشمله؛ هو خارج موضوعها.

وأسبقيّةُ الكتابة شرطٌ ضروريٌّ لا كافٍ — وقد جعلتُها أوّلَ مرّة «الشرطَ الذي يجعل هذا نزيهًا»، وذاك غلطٌ منطقيٌّ صريح: جعلتُ الضروريَّ كافيًا. فلو أنّ اللوحة كتبت «على كلّ من في العمارة أن يسدّد»، ثمّ لمّا سُئل المالكُ قال «أقصد السكّان»، لكان قد عدّل القاعدة ليَسلم منها. لكنّ عكسَ ذلك لا يكفي: قيدٌ مكتوبٌ من أوّل سطرٍ يبقى مفصَّلًا على مقاس النتيجة ما لم يكن له عملٌ خارج هذه المسألة. والاعتراضُ إنّما هو على انعدام المسوّغ المستقلّ، لا على تاريخ الكتابة — فمن أجاب بالقِدَم أجاب عن غير ما سُئل.

وهذا هو موضعُ الامتحان الحقيقيّ، فلنجرِه. القيدُ مكتوبٌ سلفًا فعلًا: صياغةُ البرهان عند أصحابه — من ابن سينا إلى لايبنتس إلى الصياغات المعاصرة — تقول «الممكن» لا «الشيء»، وتعرّف الممكنَ قبل أن تستعمله. وهذا ينفي التعديلَ اللحظيّ. وأمّا التفصيلُ على المقاس فيُختبر بغيره: أن يكون للأداة عملٌ في غير هذا الباب.

وتقسيمُ الموجود إلى واجبٍ وممكن ليس مصطلحًا صُنع لهذا الباب. هو أداةٌ في المنطق الجهيّ يستعملها في الرياضة والأخلاق واللغة من لا شأن له بالإلهيّات. بل يستعملها خصومُ البرهان أنفسُهم في وجهك: أوبي يقول إنّ للطبيعيّ أن يضع حالةً أوّليةً واجبةَ الوجود للكون الفيزيائيّ، فهو يستعمل القسمةَ نفسَها ليردّ بها عليك. وأداةٌ يستعملها خصمُك ضدَّك ليست مفصَّلةً على مقاسك.

وهذا يُسقط تهمةَ التحايل، ولا يُسقط أصلَ الاعتراض. فيبقى أنّ مبدأ «لكلّ ممكنٍ علّة» نفسَه لا برهانَ عليه، وأنّ إثباتَ أنّ الكونَ ممكنٌ لا واجب دعوى تحتاج دليلًا لا حدسًا. وسأصل إليهما في القسم التالي بلا تخفيف.

*وأين ينكسر المثال*: المالكَ في العمارة نعرفه بغير هذه اللوحة — نراه ونعرف اسمَه. والمطلوبُ في بابنا أن يُبرهن على الواجب لا أن يُفترض. فالمثالُ يُري أنّ التقييد مشروعٌ منطقيًّا، ولا يُري أنّ في مسألتنا مالكًا.

ثالثًا: فأين انتقل النزاع؟

هنا موضعُ الصدق الذي يميّز كتابًا عن خطبة. وقد كتبتُ أوّلَ مرّة: «سؤالُك القديم سقط، وقام أصعبُ منه». وأصحّحها، فقد قيل لي بحقٍّ إنّه لم يسقط بل بُدِّل اسمُه.

الذي سقط صيغةٌ بعينها: «كلُّ شيءٍ له خالق، فمن خلق الله؟» — هذه تُلزم البرهانَ بمقدّمةٍ لم يقلها. وأمّا مضمونُ الاعتراض — أنّ نقطةَ التوقّف اعتباطية — فلم يسقط، إنّما انتقل: من اعتباطيّةٍ في «الشيء» إلى اعتباطيّةٍ في تعريف «الممكن» وفي دعوى أنّ الكونَ منه. والدليلُ أنّي أكتب بعد صفحاتٍ: «لا جوابَ حاسمًا عندي». فمن كان سؤالُه يصيب الموضعَ الرخوَ ثمّ ظلّ رخوًا بعد إعادة الصياغة، فقد أصاب — ولا يجوز أن أسجّل لنفسي نصرًا لغويًّا عليه.

فالسؤالُ الذي يقوم بلفظٍ أدقّ:

ولِمَ يكون الواجبُ إلهًا لا الكونَ نفسَه؟

وهذا هو اعتراضُ رو وأوبي، وحاصلُه ثلاثةُ شقوقٍ لا شقّان — وقد كنتُ تركتُ الثالثَ وهو أقواها اليوم:

  • أنّ مبدأ «لكلّ ممكنٍ علّة» لا برهانَ عليه ولا هو بديهيّ، ومن رفضه لم يقع في تناقض.
  • وأنّ للطبيعيّ أن يضع حالةً أوّليةً واجبةَ الوجود للكون الفيزيائيّ نفسِه، فيستوفي مطلبَ البرهان بلا إله. ودعوى «المادّةُ لا تكون واجبة» ليست حجّةً بل حدسٌ يقابله حدس.
  • والثالث: الانهيارُ الجهيّ. إن كان لكلّ ممكنٍ علّةٌ تفسّره تفسيرًا تامًّا، وكان الواجبُ واجبًا بذاته، فأفعالُه تلزم عن ذاته لزومًا واجبًا — وما يلزم عن واجبٍ واجب. فيخرج الكونُ واجبًا لا ممكنًا، فينهدم الفرقُ الذي بُني عليه البرهانُ من أساسه. ومن أراد الخلاصَ بأنّ الفعل الإلهيَّ حرٌّ غيرُ لازم، فقد أثبت أمرًا لا تفسيرَ تامًّا له — أي نقض المبدأ الأوّل بيده. وهذا أقوى ما يواجه برهانَ الإمكان اليوم، وليس عندي فيه جواب. وأجوبةُ أهله فيه — من التفريق بين التفسير التامّ والتفسير الكافي، أو القول بحرّيّةٍ لا تنقض المبدأ — أجوبةٌ منازَعة ولا أدّعي أنّها تحسم.

ويجيب أهلُ البرهان عن الشقّ الثاني: لو كان الكونُ واجبًا لكانت أجزاؤه وثوابتُه واجبةً، ولا نراها كذلك. وهذا لا يحسم: للخصم أن يقول إنّ الواجب حالةٌ أوّليةٌ بسيطةٌ تلزم عنها التفاصيل.

فالحاصلُ: سؤالُك لم يسقط، إنّما صار له لفظٌ أدقُّ وثلاثةُ فروع، وأنا لا أملك جوابًا حاسمًا عن واحدٍ منها. وأقول لك ذلك في المتن لا في حاشية.

رابعًا: ردُّ دوكينز — بكامل قوّته

وهذا ردٌّ آخر، من جهةٍ أخرى تمامًا، وهو أذكى ما قيل في الباب عند الجمهور:

«هبْ أنّكم قيّدتم المقدّمة كما شئتم. يبقى أنّ ما تفترضونه تفسيرًا أعقدُ من المفسَّر. كائنٌ يقدر على تصميم كونٍ بقوانينه، ويعلم كلَّ ذرّةٍ فيه، ويتابع ملايين الأصوات في اللحظة الواحدة — هذا في نفسه بناءٌ بالغُ التركيب. والتركيبُ هو بعينه ما كنّا نطلب تفسيرَه. فأنتم لم تفسّروا، إنّما أجّلتم السؤال وزدتم عليه: صرنا نحتاج تفسيرًا للكون وتفسيرًا لمن فسّره.»

وهذه ليست أقوى صياغته، فلتُذكر الأقوى وإلا كان العنوان كاذبًا. الصياغةُ الأمتنُ لا تدور على «التعقيد» بل على التحديد:

«أيُّ كيانٍ يقدر على انتقاء هذا العالم بعينه من بين ما لا يُحصى من العوالم الممكنة، لا بدّ أن يحمل في نفسه من التحديد قدرَ ما ينتقيه. فمن أراد كونًا بهذه القوانين دون غيرها، فإرادتُه محدَّدةٌ بهذا المضمون بعينه. والتحديدُ هو المعامِلُ الحرّ، سواءٌ سمّيتَه رقمًا في معادلةٍ أو مضمونًا في إرادة.»

وأقوى ما في هذا الردّ أنّه يقلب سلاحَ المؤمن عليه: أنت تحتجّ بأنّ فرضًا واحدًا يفسّر كثيرًا، وهو يقول إنّ فرضَك هو الأثقلُ لا الأخفّ. فلا يُردّ بأنّه «مغالطةٌ معروفة» — من قالها فقد أراح نفسَه ولم يجب. وسيأتي في القسم التالي أنّ جوابي عن الصياغة الأولى لا يمسّ الثانية.

خامسًا: الجواب — وما معنى «البساطة» عند من يستعملها

الجوابُ يقوم على تمييزٍ واحد، ومتى فُهم انحلّ بعضُ الإشكال:

التعقيدُ الذي يُعتدّ به في تقويم الفروض ليس غنى الأثر ولا صعوبة التصوّر. هو عددُ ما تفترضه ونوعُه: كم كيانًا؟ وكم خاصّيةً مستقلّة؟ وكم رقمًا حرًّا يجب أن تضبطه بيدك؟

مشهد: كتيّبُ جهازٍ فيه قانونان محتملان.

  • الأوّل: «القوّةُ تتناسب عكسًا مع مربّع المسافة».
  • والثاني: «القوّةُ تتناسب عكسًا مع المسافة مرفوعةً للقوّة ٢٫٠٠٠٠١٧٣».

الثاني ليس أفقرَ أثرًا ولا أغنى — يعطي أرقامًا تكاد تطابق الأوّل. ومع ذلك يعلم كلُّ من نظر فيهما أنّ الثاني أعقدُ فرضًا: فيه رقمٌ لا يأتي من شيء إلا من أنّك كتبته. والبساطةُ بهذا المعنى تُعدّ ولا تُذاق.

*وحدُّ هذا المثال*: تفضيلُنا الاثنين ليس ذوقًا حرًّا في البساطة — الأسُّ اثنان لازمٌ عن هندسة فضاءٍ ثلاثيّ الأبعاد، إذ تتوزّع الكمّيةُ على سطح كرةٍ مساحتُه تكبر بمربّع نصف القطر. فالبساطةُ هنا مشتقّةٌ لا مختارة، والمثالُ يُري ما هو المعامِل الحرّ ولا يُري أنّ اختيارَ الأبسط حكمٌ حرٌّ في كلّ موضع.

ومشهدٌ ثانٍ: كتيّبُ قواعد المرور بضعُ صفحات، وحركةُ المدينة التي تنتج عنه لا تُحصى ولا تُوصف في مجلّدات. فغنى الأثر شيء، وبساطةُ الفرض شيءٌ آخر. ومن قاس الفرضَ بأثره خلط بابين.

وعلى هذا يقوم جوابُ من أجاب دوكينز: قولك «قدرةٌ لا نهاية لها» و«علمٌ لا نهاية له» ليس أعقدَ من «قدرةٌ بمقدارٍ معيّن»، بل أبسطُ منه بهذا المقياس — لأنّ اللانهائيَّ لا رقمَ فيه يُضبط، والمقدارُ المعيّن يستدعي سؤالًا زائدًا: ولماذا هذا المقدارُ دون غيره؟ وهذه هي حجّةُ ريتشارد سوينبرن في موضعها. ونتيجتُه المعلنة احتمالٌ يزيد على النصف — بلا رقمٍ يزيد على ذلك — لا يقينٌ ولا رجحانٌ ساحق، وأقولها في المتن لا في الحاشية.

*وأين ينكسر — وهذا يمسّ الجواب لا المثال*: هذا يردّ صياغةَ مقدار القدرة، ولا يمسّ صياغةَ التحديد ألبتّة. فالقدرةُ اللانهائية لا تحدّد أيَّ عالمٍ يُراد؛ والمعامِلُ الحرُّ في مضمون الإرادة لا في مقدار القدرة. فمن قال إنّ ذاتًا عالمةً مريدةً ليست خاليةً من المعامِلات — إذ لها معرفةٌ بمضمونٍ بعينه وإرادةٌ لمقاصدَ بعينها، وكلُّ ذلك يحتاج تحديدًا — فقد أصاب موضعًا لم أجب عنه. وهذا هو الشقُّ الذي كنتُ ألمّح إليه في نصف سطرٍ وأُبقي العنوانَ «بكامل قوّته». لم يكن بكامل قوّته، وهو الآن كذلك — ولا جوابَ عندي عن شقّه الثاني.

فالحاصل: دوكينز وسوينبرن يقيسان بمقياسين مختلفين، وكلاهما مستعمَلٌ في تقويم الفروض. سوينبرن يعدّ الكياناتِ والمعامِلاتِ الحرّة، ودوكينز يقيس احتماليّةَ الشارح في نفسه. وليست إحداهما غلطًا في معرفة القاعدة؛ النزاعُ في أيِّهما يليق بفرضٍ من هذا الصنف — وهو نزاعٌ لم يُحسم، ولا أملك مسطرةً أحسمه بها. وقد كتبتُ أوّلَ مرّة «فالحكم: ردُّ دوكينز يقيس بغير مقياسها المستعمَل» — وتلك مصادرةٌ على المطلوب: عرّفتُ المقياسَ تعريفًا يُخرج الخصمَ ثمّ أعلنتُ الحكمَ عليه بمقتضاه، ثمّ قلتُ في السطر التالي «ولا حسم». ولا يجتمعان.

فمن قال «ردُّ دوكينز مغالطةٌ معروفة» فقد أراح نفسَه ولم يجب. ومن قال «الردُّ يهدم البرهان» فقد أخذ مقياسًا في محلّ نزاعٍ وجعله مسلَّمة. وأنا أقف حيث يقف الدليل: الردُّ يُثقل الفرضَ الإلهيَّ إثقالًا حقيقيًّا لا يُدفع بكلمة، والجوابُ عنه يتوقّف على دعوى «بساطة الفرض الإلهيّ» وهي دعوى منازَعة. ولا حسم.

وأمّا التعادلُ الذي كنتُ أنقله عن أوبي فأصحّح حدَّه. كنتُ أقول: «أمينُ من مسح أدلّة الوجود كلَّها انتهى إلى أنّ الحجج لا تنجح في الاتّجاهين معًا — أي أنّ خصمَك لا يملك برهانًا أيضًا». والحاشيةُ كانت تعرف ما لا يعرفه المتن: «النجاح» عنده إلزامُ الخصم العقلانيّ، وهو معيارٌ لا تجتازه حجّةٌ في الفلسفة كلِّها تقريبًا. فالتعادلُ تعادلٌ في معيارٍ لا يجتازه أحد، لا تعادلٌ في الميزان. والرجلُ نفسُه طبيعانيٌّ يرى الطبيعانيةَ أرجحَ نظريًّا وأبسط، ويكتب في ذلك كتابًا مستقلًّا. فمن أخذ منه «لا حجّةَ ناجحة» وترك «والطبيعانيةُ أرجح» أخذ نصفَ الرجل. وقد كنتُ أستعير في المتن هيبةَ من أنقل عنهم ثمّ أدفع الثمنَ في الحاشية — وأكثرُ القرّاء لا يبلغ الحواشي، فنقلتُ الحدَّ إلى المتن في هذا الفصل كلِّه.

سادسًا: موسى أوكام — ما هو، وما ليس هو

تُنسب القاعدةُ إلى ويليام الأوكاميّ في القرن الرابع عشر، وحاصلُها: لا تُكثِر الكياناتِ المفترضة بلا ضرورة. وثلاثةُ أشياء يجب أن تُعرف فيها:

١. هو مرجِّحٌ لا برهان، ولا يعمل إلا بعد التساوي. أي أنّه قاعدةُ اختيارٍ بين فرضين تساويا في تفسير المعطى. فإن لم يتساويا لم يعمل أصلًا — والفرضُ الأبسط الذي لا يفسّر المعطى يُطرح، ولا يشفع له أنّه أبسط.

مشهد: اختفت رحلتُك من شاشة المطار. فرضٌ واحد: تغيّرت البوابة ولم تُحدَّث الشاشة. أو ثلاثةُ فروض: أُلغيت، وأُعيد جدولتُها، ونُسي إدخالُها. والموظّفُ يبدأ بالأوّل — لا لأنّه أصدقُ في نفسه، بل لأنّه أرخصُ فحصًا وأشيعُ وقوعًا.

*وأين ينكسر*: البساطةُ هنا ترتيبُ فحصٍ لا حكمُ صدق؛ وقد تكون الرحلةُ أُلغيت فعلًا. ومن جعل ترتيبَ الفحص حكمًا على الواقع أخطأ في اللحظة التي يظنّ فيها أنّه يحتاط.

٢. هو موسى لا ميزان: يقصّ الزائدَ ولا يزن الصادق. خريطةُ المترو أبسطُ من الصورة الجوّية بكثير، وخطوطُها مستقيمةٌ ومسافاتُها كاذبة — ومع ذلك هي التي توصلك. فالأبسطُ هنا أكذبُ وأنفع معًا. ومن جعل الموسى مقياسَ حقيقةٍ لا مقياسَ اقتصادٍ في الفرض، حمّله ما لا يحمل.

٣. ويُساء استعماله في الجهتين — وهذا أهمّها.

  • عند المؤمن: «فرضٌ واحدٌ يفسّر كلَّ شيء، وهذا هو منتهى البساطة». والعيبُ أنّ الفرضَ الذي يفسّر كلَّ شيءٍ لا يستبعد شيئًا؛ وشرطُ الترجيح — كما يقرّره بول درابر — أن يتنبّأ الفرضُ بالمعطى ويستبعد نقيضَه. فما لا ينفي نقيضَه لا يُرجَّح بوقوعه، ومرونةُ الفرض ليست فضيلةً فيه بل نقصٌ في قوّته الترجيحية.
  • وعند المخالف: «الكونُ وحدَه أبسطُ من الكون مع إله». وهذا يفترض أنّ الكونَ وحدَه يفسّر ما يُراد تفسيرُه، وذاك هو المتنازَع فيه بعينه. فقد استُعمل الموسى قبل أن يثبت التساوي — أي في غير موضعه.

والعلّةُ الجامعة بين الغلطين: أنّ الخلاف الحقيقيّ ليس في القاعدة بل في كيف تُعدّ الفروض. فمن عدّ «إلهًا» فرضًا واحدًا، وعدّ خصمُه «كونًا قائمًا بلا علّة» فرضًا واحدًا، لم يحكم الموسى بينهما — لأنّه لا يملك مسطرةً لعدّ الفروض. وهو يفصل حيث تكون الفروضُ منفصلةً ظاهرةً كحقيبةٍ ضاعت في مطار، ويصمت حيث يكون النزاعُ في وحدة الفرض نفسِها.

وهذا هو بعينه ما يجعل قسمَ البساطة قبله بلا حسم: من لا مسطرةَ عنده لعدّ الفروض لا يملك أن يقول «هذا يقيس بغير المقياس».

وما لا يُثبته هذا الفصل

لا يُثبت أنّ الله موجود. كلُّ ما فيه أنّ صيغةً بعينها من سؤال «من خلق الله؟» لا تهدم البرهان لأنّها تخاطب مقدّمةً لم تُقل، وأنّ ردَّ دوكينز يقيس بمقياسٍ غيرِ مقياس سوينبرن — لا بمقياسٍ خاطئ — وأنّ الموسى لا يفصل في مسألةٍ لم تتحرّر فيها الفروض.

ويبقى الأصعبُ قائمًا في ثلاثة: لماذا يكون الواجبُ إلهًا لا حالةً فيزيائيةً أولى؟ وما دليلُ مبدأ «لكلّ ممكنٍ علّة»؟ وكيف يُدفع الانهيارُ الجهيّ؟ لا جوابَ حاسمًا عندي في واحدٍ منها، ولا عند من قرأتُ لهم من الطرفين. وإنّما هو ترجيحٌ يقوم على حدوسٍ في الجهات لا يشترك فيها الناس اشتراكَهم في الحساب.

ولو تمّ البرهانُ كلُّه لأثبت واجبَ وجودٍ مجهولَ الهويّة — لا صلاةً ولا كتابًا ولا شريعة. وتلك المسافةُ هي المسافةُ كلُّها، وهي ليست في هذا الفصل ولا في الفصلين قبله، وقد قلتُ ذلك في أوّل الباب لا في آخره.

ولك أن تخرج من هذا الفصل على سؤالك. غايةُ ما أطلبه أن يكون سؤالُك بعده أدقَّ ممّا كان — فذاك مكسبٌ لك أنت، سواءٌ انتهيتَ إلى ما انتهيتُ إليه أو خالفتني فيه.