الرسائل
الفصولُ قبل هذا القسم تُحاجّ: مقدّمةٌ ونتيجة، ومرجعٌ يُقابَل على أصله، ورقمٌ يُعاد عدُّه فيسقط ما خالفه. والرسائلُ لا تصنع من ذلك شيئًا، وموضعُها بعد الحِجاج لا قبله لسببٍ واحد: أنّ الحُجّةَ تُقال في مسألة، والرسالةَ تُقال لأحد. وثمّ ما لا يحمله القياسُ ويحتاج أن يُقال: كيف يجلس رجلٌ إلى من يخالفه، وبأيّ لفظٍ يصف موقفَ نفسه، وأين يقول «لا أعرف» فلا يُحسب ذلك عليه.
ولا تُقدَّم واحدةٌ منها دليلًا. ليس في اثنتي عشرةَ رسالةً سطرٌ يبلغ أن يُلزم قارئًا، ولو سيقت في مناظرةٍ لكان ردُّها سهلًا وصاحبُه محقًّا؛ ولكلٍّ منها في آخرها سطرٌ يقول هذا بلفظه. وما وقع في بعضها من حِجاجٍ فمسمًّى في موضعه بيد كاتبه، لا مدسوسٌ في ثوب حكاية. فمن طلب الحُجّةَ فالفصولُ قبلها، ومن أخذ رسالةً حجّةً فقد أخذها بغير ما أُعطيت.
وأكثرُها مكتوبٌ بلسانٍ ليس لسانَ مؤلّفها: الكونُ، والكتبُ، وأعماقُ الماء، ونفسُ رجلٍ تخاطب عقلَه. والتشخيصُ صنعةٌ تُضيف إلى الشيء حرارةً ليست فيه، وكلُّ رسالةٍ من هذه تقول ذلك عن نفسها في أوّلها، وتدلّ القارئَ على كيف يمسح الصنعةَ ليرى ما بقي بعدها.
وفي القسم رسالةٌ امتُنع عن كتابتها، وبقي موضعُها وقام بيانُ الامتناع مقامَها: صفحةٌ يتكلّم فيها الخالقُ بضمير المتكلّم إلى قارئٍ بعينه. ولم تُترك تورّعًا يُطلب عليه أجر — وقد يكون تركُها لا يساوي شيئًا، وذاك مكتوبٌ فيها — بل لأنّ نسبةَ كلامٍ إلى من لم يقله ليست خطأً يُصحَّح، ولأنّ قاعدةً تتوقّف حيث تشتدّ لم تكن قاعدة.
وترتيبُها ليس ترتيبَ كتابتها. تبدأ بما يدفعه كاتبوها من عندهم: إقرارٌ بما قيل، وتصحيحُ نقلٍ اقتُطع، وامتناعٌ عن صفحةٍ كانت ستنفع. وتنتهي بما يُطلب من القارئ: أن ينظر، ثمّ أن يكتب لنفسه، ثمّ أن يكتب إن شاء. وما بينهما مرتَّبٌ على هذا القدر وحده: كلّما تأخّرت الرسالةُ ثقُل ما تسأله. ومن طوى واحدةً منها لم يُخلّ بشيء؛ ليس بينها وبين قارئها عقد.