تخطَّ إلى المحتوى

من ملحدٍ سابقٍ إلى ملحد

وأوّلُ ما أصحّحه عنوانُ الورقة. كان «من ملحدٍ إلى ملحد»، وأنا لستُ ملحدًا؛ وحذفُ «سابق» يشتري لي عضويّةً في نادٍ خرجتُ منه، فتقرأ السطرَ الأوّل وأنت تحسبني معك. كلمةٌ واحدةٌ تضبط ميزانَ كلّ ما بعدها، فتُقال قبله.

وثانيًا: هذه رسالةٌ مركَّبةٌ من شهاداتِ من ترك ثمّ رجع، لا سيرةَ رجلٍ بعينه. كُتبت بضمير المتكلّم لأنّ هذا الكلام لا يُقال بغيره، وأُعلن ذلك في السطر الثاني حتّى لا يمرَّ خُفيةً ثمّ يُحسَب شهادة. فلا اسمَ يُتحقَّق منه، ولا سيرةَ تُراجَع، ولا شيءَ فيها يُصدَّق لأنّ قائله قاله. فاقرأها كما تقرأ كلامًا لا سندَ له إلا نفسُه؛ فإن لم يبقَ فيها بعد رفع السند شيءٌ فقد سقطت، وذاك حقُّك ولا أنازعك فيه.


أكتب إليك ولستُ أنوي أن أردّ عليك.

لن أقول لك إنّك تركتَ لشهوة. هذه جملةٌ يقولها من لم يجلس معك قطّ، ويكفيه أن يشرحك ليُعفي نفسه من أن يسمعك. ولن أزعم في المقابل أنّي أعرف لماذا تركتَ أنت — فذاك شرحٌ آخر لك، وإن كان أحسنَ ظنًّا؛ والحركةُ فيهما واحدة: رجلٌ لم يجلس معك يخبرك لماذا فعلتَ ما فعلت. والفرقُ أنّ النسخة الحسنة تُطري، ولذلك تمرّ. والمديحُ في أوّل الكلام تخفيضُ حراسة، وأنت تعرف هذا من رسائل البيع كما أعرفه.

فأقول ما رأيتُ، لا ما فيك: منهم من سأل فلم يجد جوابًا، ثمّ سأل ثانيةً فلم يجد إلّا ضيقًا في الوجه المقابل. ومنهم من رأى حاملَ اللافتة يصنع ما لا يصنعه هو وهو الذي بلا لافتة. ومنهم من تتبّع رقمًا يُساق باسم العلم إلى موضعه في الورقة الأصلية فوجده غيرَ الذي قيل له، ثمّ تتبّع ثانيًا فوجده كذلك. ومنهم من لم يقل له أحدٌ «لا أدري» مرّةً واحدة. ومنهم — وهو أكثرُهم ممّا يُظنّ — من لم يكن في قصّته وجهٌ ضيّقٌ ولا لافتةٌ ولا رقمٌ مغشوش: نظر في الدعوى فوجد أنّ الدليل لا يقوم عليها، فانتهى. باردةً هكذا، بلا جرحٍ ولا حكاية. فإن كان في هذه ما يشبهك فأنت أعلمُ بنفسك، وإن لم يكن فاطرحها ولا تحملها عنّي؛ ومن اخترع لك سببًا فقد سرق منك سببَك الحقيقيّ.

اثنتا عشرة سنةً كنتُ فيها على ما أنت عليه — ولا أقول «حيث أنت الآن». هذه أقدمُ أداةٍ في أدب التحوّل كلِّه، من المدمن السابق إلى المدخّن السابق، وهي تصنع بلا حجّةٍ شيئًا واحدًا: تجعل موقفَك محطّةً في طريقي، وتضعني في آخره وتضعك في وسطه. وأنت لستَ في وسط طريقي؛ أنت حيث أنت، وقد تكون قطعتَ في هذا الباب ما لم أقطعه. وترتيبُ الزمن ليس حجّة — فلا تدعه يعمل عملها في شيءٍ ممّا يأتي، وأنا لن أستند إليه.

ولا أسمّي تلك السنين ضياعًا، ولا أعتذر عنها لأحد. تعلّمتُ فيها ما لم أكن لأتعلّمه لو بقيتُ في مكاني: تعلّمتُ أنّ الجملة الجميلة ليست صادقةً لأنّها جميلة، وأنّ الإجماع على شيءٍ ليس دليلًا عليه، وأنّ من يغضب حين تُسأل مقدّمتُه لا يملك جوابًا عنها. وأنا اليوم لستُ نادمًا على أنّي سألت. أنا نادمٌ على شيءٍ واحدٍ فقط: أنّي في السنوات الأولى سألتُ في اتّجاهٍ واحد. كنتُ أستقصي في نقد ما تركتُ استقصاءً لا أرحم فيه، ولا أستقصي في نقد ما صرتُ إليه.

وشيءٌ أقوله في أوّل السطر لتعرف مع من تتكلّم: أنا أعلم أنّك تقرأ. تقرأ دوكنز وشون كارول وأوبي وغيرَهم، وتعرف الفرق بين الثلاثة ولا تخلط بينهم. فلن أصنع لك خصمًا من ورقٍ ثمّ أغلبه أمامك. ولن أضعّف حجّتك لتسهُل عليّ — لأنّي إن فعلتُ عرفتَها من السطر الثاني، ثمّ أغلقتَ الصفحة وأنت محقّ. ولن أكتب إليك ما لا أستطيع أن أقوله وأنت جالسٌ أمامي.

وحدُّ هذه الورقة يُقال قبل أن تُقرأ. ليس فيها قرآنٌ ولا نبيٌّ ولا شريعةٌ ولا دعوى نبوّةٍ بعينها، ولا سطرَ واحدًا منسوبًا إلى وحي. وأقصى ما تبلغه — إن بلغت — أن تزحزحك عن راحةٍ كنتُ أنا أجدها في موقفي. وبين هذا وبين كتابٍ بعينه وأحكامٍ بعينها المسافةُ كلُّها: لم تقطع هذه الورقة منها خطوةً واحدة، ولا تدّعي، ومن قال لك غيرَ ذلك فقد باعك مسافةً لم يمشِها.


أربعةُ أسئلة لا أطلب جوابها

سأسوق إليك أربعةَ أسئلة، ولستُ أنتظر منك جوابًا — لا في رسالةٍ ولا في تعليق. وأعرف ما في هذا من صنعة: أسئلةٌ من صياغتي، تخلو بها إلى نفسك بلا خصمٍ ولا مصحّح، وهذا تأمّلٌ موجَّهٌ لا حوار — والسؤالُ الذي لا يُجاب يعمل، والذي يُجاب ينتهي. فلا أدفع عن نفسي هذا بإقرارٍ يشتري به الكاتبُ صفةَ الإنصاف بلا كلفة، بل بشرطٍ يكلّفني: اكتب جوابك، ثمّ اعرضه على من يخاصمني فيه — على من يرى رأيك ويُحسن الدفاع عنه، لا على من يوافقني. فإن لم يصمد سؤالي عنده فقد سقط سؤالي، وأنا الذي خسر.

١ · ماذا وجدت؟

لا ماذا تركت — هذا سؤالٌ سهلٌ وأنت تجيب عنه منذ سنواتٍ وتُحسن. سؤالي: ماذا وجدت؟ لأنّ الترك حادثةٌ، والوجودَ إقامة.

وقيل لي: وبأيّ محكٍّ أصنّف بندًا في قائمتي؟ فإن لم يكن محكٌّ صار التصنيفُ بيدك أنت. وهذا حقّ، فهذا محكّي — وهو محكٌّ لا حكم: خذ البند واسأل عنه سؤالًا واحدًا: هل يبقى له معنًى لو لم يكن الشيءُ الذي تركتَه موجودًا في الدنيا قطّ؟ «راحةُ ألّا أُطالَب بالتصديق قبل الفهم» لا تبقى: هي معرَّفةٌ بغياب مطالِبٍ كان. و«عادةُ الرجوع إلى المصدر» تبقى: تنفعك في الطبّ والسياسة وفاتورة الكهرباء ولو لم يكن في الأرض دينٌ ألبتّة. و«ألّا أكذب على أولادي» تبقى، وهي من الصنف الأوّل، ولا فضلَ لي في ذلك ولا لمذهبي.

وأنا سأجيب عن نفسي أوّلًا لئلّا يكون السؤالُ فخًّا. وجدتُ أشياءَ حقيقيةً لا أنكرها ولا أزهد فيها اليوم: وجدتُ راحةَ ألّا أُطالَب بالتصديق قبل الفهم. ووجدتُ صحبةً يُقال فيها «ما دليلك؟» فلا يُعدّ سوءَ أدب. ووجدتُ عادةَ الرجوع إلى المصدر بدل الاكتفاء بالناقل، وهي أنفعُ عادةٍ ملكتُها في حياتي كلِّها. هذا وجدتُه فعلًا وأشهد به.

ثمّ انظر: مثالي يكسر تعميمي. كنتُ أقول إنّ أكثر ما عددتُه ربحًا كان من الصنف الثاني — راحةً من ثقلٍ لا ثقلًا جديدًا أحمله باختياري — ثمّ أسوق ثلاثةً، اثنان منها قائمان بنفسهما بمحكّي أنا. فالتعميم ساقط، وأتركه ساقطًا ولا أرمّمه. ويبقى السؤالُ وحدَه بلا حكمٍ منّي: اكتب قائمتك أنت، لا قائمةَ ما سقط بل قائمةَ ما قام مكانه، ثمّ صنّفها بالمحكّ أو بمحكٍّ خيرٍ منه — وإن كان عندك محكٌّ أدقّ فأنا الذي يستفيد.

٢ · هل ذهب همُّك؟

وسأقولها بصدقٍ كما وقعت لي: هَمٌّ ذهب وهَمٌّ جاء.

الذاهب: ذهب عنّي همُّ التوفيق القسريّ بين ما أقرأ وما لُقِّنت. وذهب همُّ الوسواس في الطهارة والصيغ، وهو همٌّ ثقيلٌ لا يعرف وزنَه إلّا من حمله. وذهب همُّ أن أخاف من سؤالٍ يخطر لي في الليل.

والجائي: جاءني همُّ أنّ الحساب الأخير للأشياء صفر. لا أعني الموت — الموتُ أهونُ ما في الباب، وأنا لم أكن أخافه ولا أدّعي أنّي كنت. أعني أنّ الظالم الذي مات على فراشه محتفًى به قد انتهى ملفُّه، وأنّ الذي عاش مقهورًا ومات مقهورًا قد انتهى ملفُّه كذلك.

ولا أقول إنّ هذا يلزم لزومًا منطقيًّا. الذي يلزم من المقدّمات أن لا حسابَ بعدُ؛ وأمّا استواءُ الملفَّين فقولٌ زائدٌ عليه لا تلزمه المقدّمات، ولا يقول به كلُّ من قال بها. كنتُ أقول في النقاش إنّ الفرق بينهما يقوم بنا نحن، ثمّ أعود إلى البيت ولا أطيق الجواب.

واعتراضان وردا عليّ في هذا، أثبتهما ولا أطويهما. الأوّل: أنّ القيمة ليست قيدًا في دفترٍ يُختم في الآخر — فالذي عاش مقهورًا لم تكن قيمةُ حياته موقوفةً على تسويةٍ لاحقة، والأثناءُ الذي وقع فيه القهرُ هو كلُّ ما هناك. وهذا اعتراضٌ صحيحٌ على صورة الدفتر التي رسمتُها أنا، وصورةُ الدفتر صورتي لا لازمَ مذهبك. والثاني أثقلُ منه: أنّ الميزان الذي كنتُ أشتاق إليه ليس رحمةً خالصة — فيه أنّي أنا أُسأل، لا خصمي وحدَه. ومن اشتاق إلى ميزانٍ يُنصفه فقد اشتاق إلى ميزانٍ يزنه. ولو كنتُ أصوغ الهمَّ على قدر راحتي لصغتُه بغير هذا. وأنا أقول ذلك لأنّ من عرض نصفَ الدفتر فقد غشّ.

فقل لنفسك بصدق: أيُّ همٍّ ذهب، وأيُّ همٍّ جاء؟ولستُ أقول إنّك تكتب واحدًا وتترك الآخر، فلا علمَ لي بدفترك ولا بخلوتك. أقول إنّي أنا كتبتُ واحدًا وتركتُ الآخر اثنتي عشرة سنة، وما انتبهتُ حتّى كتبتُهما في ورقةٍ واحدة.

٣ · وإن كان ثمّ جرحٌ — أطاب، أم صار بلا اسم؟

وأسوق لك نموذجًا وأقول لك إنّه نموذجٌ لا حكاية: رجلٌ كُسر في طفولته كسرًا لم يندمل، وليس له من الأمر شيء. في لغته القديمة كان لِما وقع له اسمان: ظلمٌ، وظالم.

وفي لغته الجديدة انقسمت عليه الأجوبة، ولم تكن جوابًا واحدًا. فقائلٌ يقول: الوصفُ الدقيق سلسلةُ أحداثٍ فيزيائيةٍ جرت على وفق قوانين، لا يقع عليها وصفُ «كان ينبغي ألّا تقع» بالمعنى الذي كان يقصده — وهذا مذهبُ جون مكِي: القيمُ الأخلاقية الموضوعية لا وجود لها أصلًا، ونحن نخترع الصوابَ والخطأ اختراعًا نافعًا [mackie-1977-ethics]. وقائلٌ يقول: بل يقع، والقيمةُ موضوعيةٌ قائمةٌ بغير إله — وهذا قولُ ملاحدةٍ ليسوا بالقليل ولا بالصغار: دافيد إينوخ في أوسع دفاعٍ معاصرٍ عن واقعيّةٍ أخلاقيّةٍ غيرِ إلهيّة [enoch-2011-taking-morality]، وإريك ڤيلينبرغ الذي بنى كتابًا كاملًا على أنّ عبء الغرابة متساوٍ على الطرفين [wielenberg-2014-robust]. وثالثٌ يخرج من البابين معًا: شارون ستريت ترى المعضلة قاضيةً على الواقعيّة لا على الأخلاق [street-2006-darwinian-dilemma].

وأنا كنتُ في هذه الورقة نفسِها أسوق مكِي كأنّه لغةُ الملحدين كلِّهم — أي أختار لخصمي أضعفَ صيغةٍ يقول بها بعضُه، وأنا الذي وعدتُك ألّا أصنع لك خصمًا من ورق. وأشدُّ ما فيه أنّي سمّيتُ لك شون كارول في أوّل الورقة لأُريَك أنّي أعرف من تقرأ، وكارول ليس على قول مكِي. فهذا موضعٌ أخطأتُ فيه وقد صُحّح.

وأنا لم أستطع أن أسكن في الأوّل. ولستُ أزعم أنّ الثاني مغلق؛ أزعم أنّي أنا لم أسكن فيه. وهذه سيرةُ رجلٍ لا حكمٌ على باب.

وانتبه: أنا لا أقول لك إنّ الملحد لا يستطيع أن يكون عدلًا. هذه سخافة، وأنا رأيتُ في تلك السنوات من هو أنظفُ يدًا من كثيرٍ ممّن يصلّي. ولا أقول إنّ الأخلاق تحتاج إلهًا لتُمارَس.

وسُئلتُ سؤالًا لم يكن لي عنه جوابٌ سهل: أرني موضعًا يفترق فيه القرار. رجلان أمام الطفل المكسور نفسِه، أحدهما يقول بالموضوعية والآخر لا، فيفعلان شيئين مختلفين. وجوابي — وأنا ملتزمُه ولو كلّفني —: أنّ القرار في أكثر المواضع لا يفترق. كلاهما يحمله، وكلاهما يُبلّغ، وكلاهما يشهد، ولا أعرف موضعًا في الفعل يفترقان فيه افتراقًا نظيفًا. ومن قال لك إنّ منكرَ الموضوعية يقلّ عنك في الحمل فقد كذب عليك وعليه.

والذي رأيتُه يفترق ليس الفعلَ، بل ما يُقال للمكسور حين يسأل. رجلٌ نشأ في بيتٍ وبلدٍ أجمع أهلُه على أنّ ما يقع عليه صواب، لا مخالفَ فيه ولا لائم، ثمّ سأل: «أكنتُ مظلومًا وكلُّهم يقول لا؟» فالأوّل يملك أن يقول له: نعم، وإجماعُهم لا يغيّر من الأمر شيئًا. والثاني يقول: ظلمٌ بمقياسنا نحن الذين نصفه اليوم، وهم كانوا يصفون بمقياسهم. والرجلان يواسيانه، وواحدٌ منهما يُخبره.

وقد يقال لي: وهذا فرقٌ في العبارة لا في المسألة، وما سمّيتَه مسألةً حالٌ نفسيّة. فإن قيل لي ذلك لم أملك ردًّا يُلزم. أقول: هي حالٌ لم أستطع أن أصرفها، وليس عندي في هذا الموضع أكثرُ من هذا، وقد قلتُه على وجهه.

فأمّا مكِي فموقفٌ متماسكٌ يقوله رجلٌ كبير، وأنا لا أزعم أنّي أبطلتُه. كنتُ أقوله في القاعة ثمّ أرى المكسور فأجد في نفسي أنّ الذي وقع عليه كان خطأً — لا خطأً في عرفنا، بل خطأً. وهذا الإحساس ليس دليلًا، وأنا أعرف أنّه ليس دليلًا. لكنّه ليس لا شيء أيضًا.

٤ · وأنا: هل غُفر ذنبي؟ ومن غفره؟

وهذا أدقُّ ما في الرسالة، فاصبر عليّ فيه. وهو كلُّه عن نفسي؛ لا أعرف إن كان عليك ذنبٌ ولا أسألك.

حين تركتُ، ظننتُ أنّي حللتُ مسألة الذنب. والذي وقع أنّي لم أمحُ الذنب، إنّما محوتُ اسمه. الفعلُ الذي فعلتُه بقي كما هو، لم ينقص منه شيء. والذي وقع عليه بقي كما هو. والأثرُ في صدري بقي كما هو. الذي زال كلمةٌ واحدة: لم يعد يُسمّى ذنبًا. صار «خطأً» أو «سلوكًا مؤسفًا» أو «نتيجةَ ظروف».

وجرّبتُ الأبواب المتاحة كلَّها، وهي أبوابٌ حقيقيةٌ لا أستخفّ بها:

الاعتذار — وهو أنفعها، ولا يعمل إلّا بشرطين: أن يكون صاحبُ الحقّ حيًّا، وأن يشاء هو أن يقبل. وأنا كان لي واحدٌ مات قبل أن أصل إليه، فبقي البابُ مغلقًا بغير يدي.

التعويض — ويعمل حيث يكون المكسور ماديًّا يُجبر. وأكثرُ ما نكسره في الناس ليس من هذا الصنف.

الزمن — وهو يُخفّف الشعور ولا يمسّ الفعل. ورجلٌ يعرف الفرق بين الأمرين لا يقبل هذا صرفًا.

العلاج النفسيّ — وقد أفادني ولا أزال أوصي به. لكنّه لا يدّعي أصلًا أنّه يمحو ما فعلت؛ هو يعالج الشعور بالذنب أكثرَ ممّا يعالج الذنب. وهذا تحديدُ اختصاصه لا نقصٌ فيه، وقد قيل لي مثلُه في أوّل جلسة. ولا أعمّم على أهله: فيهم من يعالج الفعلَ وأثرَه في الغير لا الشعورَ وحدَه — أعمالُ الإصلاح، والاعتذارُ المُيسَّر بين طرفين، وما يُسمّى «الأذى الأخلاقيّ». فوصفي وصفُ ما لقيتُ أنا، لا حكمٌ على مهنة.

فبقيتُ مع بقيّةٍ لا تُصرَف: أثرٌ في النفس، بلا بابٍ يُطرَق. لا أحد في الوجود كلِّه يملك أن يقول لي: انتهى. وما كنتُ أستطيع أن أقولها لنفسي، لأنّ الذي يقولها لنفسه يعرف أنّه الخصمُ والحكم.

وأنا لا أبني على هذا برهانًا. أن يحتاج رجلٌ بابًا لا يصنع بابًا؛ الحاجةُ ليست دليلًا على وجود المحتاج إليه، وهذه حجّةٌ أعرفها وأسلّمها لك كاملةً غيرَ منقوصة.

وقيل لي: إنّك تنطق بالاعتراض ولا تجيبه، فتشتري بنطقه صفةَ الإنصاف وتمضي بأثره كاملًا. وهذا صحيحٌ فيما مضى، فأجيب:

لا أملك أن أفصل الأمرين فصلًا يقينيًّا، ولا أعرف طريقةً أتحقّق بها أنّي وجدتُ البابَ ولم أصنعه لأنّي احتجتُه. وأقربُ ما ملكتُه اختبارٌ واحدٌ ضعيف: أنّ ما لقيتُه من وراء الباب لم يكن كلُّه في مصلحتي. فلو كنتُ أصنعه على قدر حاجتي لصنعتُه انتهاءً بلا شرط، ولمَا صنعتُ معه حسابًا أُسأل فيه أنا، ولا ردَّ مظالمَ يبدأ من يدي أنا. والكلفةُ التي لقيتُها فيه أثقلُ من الراحة التي كنتُ أطلبها. وهذا ليس دليلًا، ولا أرفعه إلى مرتبة الدليل — هو أثقلُ ما عندي في هذا الموضع، وهو خفيف. فإن رددتَه لم أجد ما أزيدك، وليس عندي غيره.


وما كسبتُه هناك لم أخسره هنا

خرجتُ من تلك السنوات بشيءٍ واحدٍ نفيسٍ لا أزال أحمله: لم أعد أصدّق دعوى لأنّ قائلها معمَّم، ولا أردّها لأنّه معمَّم. صرتُ أقول «ما دليلك؟» في وجه كلّ أحد، والشرطُ واحدٌ للجميع.

وهذا بعينه هو الذي أعادني.

لأنّي حين وجّهتُ السؤالَ إلى نفسي — لا إلى خصمي — وجدتُ أنّي أحمل مواقفَ ثقيلةً في الوجود والمصير والقيمة، وأنّي لم أطالب واحدًا منها بما كنتُ أطالب به غيرَه. كنتُ أحسب موقفي الصفر الذي لا يحتاج شيئًا، وكان في الحقيقة موقفًا مثل غيره، له مقدّماتٌ تُسأل.

وهذا عيبي أنا، لا عيبُ الباب. فمن الملاحدة من يحمل الطبيعانيّة موقفًا كامل اللوازم ويعرف ما عليه، والفرقُ بين «عدم الإيمان» و«الطبيعانيّة» مبحوثٌ مكتوبٌ فيه منذ عقود. ومن قال لك إنّ خصمه لم ينتبه إلى أظهر ما في بابه فقد وصفه بما لا يعرف — وأنا قلتُ لك في أوّل الورقة إنّك تقرأ وتفرّق، فلا يجوز لي أن أبني منعطفي على أنّك لم تنتبه. فإن كنتَ ممّن يحملها عارفًا فليس عليك من هذه الفقرة شيء؛ هي سيرةُ رجلٍ كان يظنّ نفسه معفًى من الطلب.

وغراهام أوبي — وهو ملحدٌ، وهو من أنصف من كتب في الباب — يقرّر أنّ لا حجّةَ ناجحةً في الاتجاهين بالمعنى الذي يُلزم الخصمَ العقلانيّ [oppy-2006-arguing-gods]. وأقول ما يُنقص من نصيبي منه: أوبي بقي على إلحاده ولم يرَ في هذا التعادل ما ينقله عنه، وليس في كتابه أنّ الموقفين متعادلان في الميزان — فيه أنّ الحجج لا تُلزم، وبين الأمرين فرق. فمن أخذ التماثل وترك خاتمةَ صاحبه فقد أخذ نصفَ الرجل — وهو بعينه ما تنهى عنه حاشيةُ هذه الورقة في آخرها، فلا يليق أن يقع متنُها فيما تُحذّر منه حاشيتُها. فالذي أخذتُه منه سؤالٌ عن موقفي أنا، لا نتيجةٌ في صالحي. وحين قرأتُه لم أنتقل إلى الإيمان في يومي ولا قريبًا من ذلك؛ لكنّي فقدتُ الشيء الذي كان يريحني أكثر من كلّ شيء: راحةَ أنّي واقفٌ في الموضع الذي لا يُطالَب صاحبُه بشيء.

ثمّ طال الأمر بعد ذلك سنين — وهنا كان في الورقة فاصلٌ وسطرٌ أبيض. قيل لي: هذا الموضع الذي جئتُ إليه، تفصّل سؤالَ الذنب في عشرين سطرًا وتطوي طريقك أنت في سطرٍ نافٍ: لا انقلابًا، ولا حادثةً، ولا مناظرة — فماذا كان؟ وهو حقّ، والنفيُ الثلاثيّ يوحي بالتؤدة ولا يقول شيئًا. فأقول ما كان، وهو أبردُ ممّا يُشتهى:

كانت ورقةً واحدةً وأربعَ سنين. كتبتُ فيها عمودين: ما لا يُصرَف على قولي، وما لا يُصرَف على قولهم. وكنتُ كلّما قرأتُ أزيد في العمودين معًا، لا في واحدٍ منهما — وذاك وحدَه كان التغيير. ولم يفرغ عمودي؛ فيه اليوم بنودٌ لم تُصرَف، وسأكتبها لك إن سألت. الذي وقع أنّي كففتُ عن مطالبة أحد الجانبين بما لا أطالب به الآخر، ثمّ نظرتُ في العمودين وسألتُ سؤالًا غير الذي كنتُ أسأله: لا «أيُّهما بُرهن عليه؟» — فلا واحدَ منهما بُرهن عليه بذلك المعنى — بل «أيُّهما أستطيع أن أقيم فيه وأنا صادقٌ مع نفسي؟». وسكنتُ في الثاني.

وأعرف ما في هذا من ضعفٍ حِجاجيّ وأقوله بلفظه: «أستطيع أن أقيم فيه» ليست دعوى صدق. رجلٌ يستطيع أن يقيم في الباطل، ورجلٌ لا يطيق الحقّ. فهذا جوابٌ عن سؤالك «ماذا كان؟» لا دليلٌ أسوقه إليك، ولا ألبسه ثوبَ ما ليس هو.


وهذه رسالةٌ لا برهان. ولستُ أزعم أنّي خلوتُ فيها من الحِجاج — فيها مواضعُ أحاجّ فيها وقد سمّيتُها لك بأعيانها: تناظرُ العبء عند أوبي، والبقيّةُ التي لا تُصرَف بعد استقصاء الأبواب الأربعة، ومحكُّ «القائم بنفسه». وكنتُ قلتُ «لم أقدّم فيها دليلًا واحدًا»، وتلك كانت درعًا لا نزاهة: من نقدها قيل له «إنّما هي رسالة». فأقولها على وجهها: أُحاجّ ولا أُبرهن، وليس فيها شيءٌ يبلغ أن يُلزمك، ولو كنتُ مكانك لَما تحرّكتُ بها. ومن عاد لأجل رسالةٍ سيذهب لأجل رسالة — ومن رجع بعاطفةٍ حرّكها كاتبٌ يُحسن الكتابة سيرجع بعاطفةٍ أخرى يحرّكها من هو أحسنُ كتابةً منه. الأدبُ لا يُثبت شيئًا، وأنا أعرف أنّي في هذه السطور استعملتُ أدبًا — وقولي هذا لا يُبطل أثره فيك، فاحترس منه بعد أن قلتُه كما تحترس منه قبل أن أقوله.

فلا أدعوك إلى شيءٍ الليلة، ولا أطلب منك نصفًا ولا ربعًا. وكنتُ كتبتُ: «أن تُوجّه إلى موقفك أنت نصفَ ما توجّهه إلى الموقف الذي تركت» — وهو اتّهامٌ في صيغة رجاء، يقرّر بلا سؤالٍ أنّك لا تفعل، ثمّ يستكثر عليك كرمَ الطلب الصغير. ولا علمَ لي بما تفعله في خلوتك. أقول ما فعلتُه أنا وما كلّفني تركُه: استقصيتُ في اتّجاهٍ واحدٍ سنين، وما انتبهتُ إلّا متأخّرًا.

فإن رجعتَ من ذلك إلى حيث أنت، فأنت رجلٌ فحص فاطمأنّ، وأنا لا أملك عليك شيئًا ولا أطلبه. وإن وجدتَ سؤالًا لم يكن لك جوابٌ عنه فذاك سؤالٌ لك لا عليك. وكنتُ ختمتُ قبلُ بأن قلتُ لك «فلا تخف منه» — فبدّلتُ الشهوةَ بالخوف وأبقيتُ البنية: تفسيرٌ نفسيٌّ لموقفك يُغنيني عن محتواه، وهو أخبثُ من الأوّل لأنّه في ثوب اعترافي أنا. فحُذف، ولا يُعاد.


والأسئلةُ التي عليّ أنا

سُقتُ إليك أربعةً ولم أسق إلى نفسي واحدة، وذاك عينُ ما قلتُ إنّي ندمتُ عليه: السؤالُ في اتّجاهٍ واحد — والرسالةُ كانت كلُّها في اتّجاهٍ واحدٍ مقلوب. فهذه ثلاثةٌ عليّ، بأجوبتها كما هي:

١ · ما شكلُ الدليل الذي يردّني إلى حيث أنت؟

ثلاثةٌ أقولها سلفًا لتحاسبني بها: أن يُريَني أحدٌ في الذي أقمتُ عليه تناقضًا لازمًا لا مخرجَ منه — لا استبعادًا ولا استثقالًا، بل تناقضًا. أو أن أرى الدعاوى التي تُساق باسمه ممّا يُعدّ ويُقاس تُخالف العدّ كلّما عددتُها بنفسي؛ فقد عددتُ منها ما خالف، وسأقول ذلك بعد سطر، وإنّما الفرق بين موضعٍ وبين اطّرادٍ في كلّ ما يُختبر. أو أن تُصرَف تلك البقيّةُ التي قلتُ إنّها لا تُصرَف — أن أرى رجلًا حملها ثمّ حُلّت عنده بأحد الأبواب الأربعة حلًّا يقيم، فأكون قد أخطأتُ في وصفها لا في الجواب عنها. وأنا لا أعرف اليوم أنّ شيئًا من الثلاثة وقع، ولو وقع لقلتُه.

٢ · وهل بقيت «ما دليلك؟» بعد الرجوع، أم غيّرت هدفها؟

هذا أعدلُ ما سُئلتُ. وأنا أُريك موضعًا كلّفني: دعوى عدديّةٌ تُساق في مجلسٍ لا يحبّ أن تُسأل، من قبيل «هذا اللفظ ورد كذا مرّة، وذاك مثله سواءً بسواء». فعددتُها بنفسي فخالف العدُّ الدعوى، فقلتُها. فخسرتُ بها ودَّ رجلٍ كنتُ أحبّه، وقيل لي «هذا ليس وقتَه». وأنا أعدّ ذلك ثمنًا صحيحًا، وأعدّ الدعوى التي يُكذّبها العدُّ أشدَّ ضررًا على ما تُنسب إليه من السكوت عنها. فإن رأيتَني أوجّه السؤالَ إلى جهةٍ واحدة فقد ماتت العادةُ عندي وغيّرت هدفها فقط، وأنت في حلٍّ من هذه الورقة كلِّها.

٣ · وماذا وجدتَ أنتَ ممّا لم أجده أنا؟

هذا السؤالُ لم يكن في الورقة، وموضعي كلُّه كان «كنتُ حيث أنت»، فلم يخطر لي أنّك قد تكون بلغتَ أبعدَ ممّا بلغت. وأنا أسأله الآن جادًّا. في عمودي بنودٌ لم تُصرَف، وقد يكون عندك في بعضها ما ليس عندي — لا أطلبه لأزنك به، أطلبه لأنّي قد أكون تركتُ في الورقة شيئًا ما رأيته.

وسواءٌ عندي بعد ذلك أقرأتَ اسمي أم لا؛ ولا اسمَ لي في هذه الورقة أصلًا، وقد قلتُ لك ذلك في سطرها الثاني. فإن كتبتَ إليّ فاكتب بالثالث.