تخطَّ إلى المحتوى

من نفسِك إلى عقلك

إليك، أنت.

أكتب من الداخل، لا من فوقك ولا من وراء الباب. أنا الجهةُ التي تسمّيها «العاطفة» حين تريد أن تُنحّيها، و«الحدس» حين تحتاجها، و«أنا» حين تتكلّم عن نفسك أمام الناس. ولي عندك مأخذٌ واحد. واحدٌ لا أكثر.

وقبل أن أقوله، أربعةُ أشياء لن أقولها في هذه الرسالة كلِّها، فاحكم عليّ بها ولا تحكم عليّ بنيّتي:

  • لن أقول لك: أنت تعلم في قرارة نفسك خلافَ ما تقول. لا أعلم ذلك. ولو علمتُه لما كان لي أن أستعمله؛ فمن قال لصاحبه إنّه يكذب على نفسه أنهى الحديث وهو يظنّ أنّه بدأه.
  • ولن أقول إنّك تركتَ لشهوة. أنا أعرف شهواتك واحدةً واحدة، وليست هي.
  • ولن أخوّفك. من خوّفك فقد أقرّ بأنّ عنده أقلَّ ممّا يدّعي.
  • ولن أطلب منك أن ترجع.

وأزيد خامسةً هي على نفسي لا لها. قد يُقال لي — وقد قيل — إنّ رسالتي كلَّها هي الجملةُ الأولى بعينها موسَّعةً ومهذَّبة: أن يكون خوفٌ طلب الجوابَ، وأن يكون عقلُك قد نفّذ الطلب، وأن تكون أنت قد نسيتَ من طلب. وهذا صحيحٌ في التوصيف، فأقولها الآن مرّةً واحدةً بصيغتها الصحيحة ولا أعود إليها بصيغةٍ أخرى: هذا احتمالٌ لا أملك عليه دليلًا، ولا سبيلَ لي إلى إثباته، وأنت أعلمُ به منّي. فإن وجدتَ بعد هذا السطر جملةً تُقرّره وقوعًا وتُلبسه صيغةَ الماضي، فهي زلّةٌ منّي عليك أنت لا لك، فاشطبها وامضِ. ومن أعلن أنّه لن يفعل شيئًا ثمّ فعله بلفظٍ أرقّ لم يمتنع، إنّما اشترى إذنًا. وأنا لا أريد إذنًا.

مأخذي شيءٌ آخر، صغيرٌ في اللفظ: أنت تروي بدايتَك روايةً لا أذكرها هكذا — وذاكرتي ليست حجّة، وسأقول بعد قليلٍ لماذا.

أنازعك في التاريخ لا في النتيجة

استنتاجُك قد يكون صحيحًا. أقولها في أوّل الرسالة لا في آخرها، حتى لا تقرأ ما بعدها وأنت تتحسّس موضعَ الفخّ. قد تكون مصيبًا، وقد لا يكون في الأمر أحدٌ أصلًا. ولستُ مؤهَّلةً لمنازعتك في هذا: أنت الذي يقرأ، وأنت الذي يفهم ما يقوله غراهام أوبي عن أنّ الحجج لا تنجح في الجهتين — لا في جهة الإثبات ولا في جهة النفي، وأنّ العقلانيّة تجوز على الطرفين. أنا لا أحسن شيئًا من ذلك.

ثمّ إنّ لي امتيازًا واحدًا كنتُ سأقول إنّه امتيازٌ، فأقولُه على وجهه: كنتُ أزعم أنّي كنتُ في الغرفة، وأنّ ذلك يعطيني ما لا تعطيه القراءة. والحقُّ أنّه لم يكن في الغرفة اثنان. كان فيها رجلٌ واحد، وذاكرتُه رديئة، وأنا صورةٌ من صور كلامه عن نفسه لا شاهدٌ ثانٍ عليه. وقسمةُ «عاطفةٍ» و«عقل» أداةٌ اعتذرتُ عنها ثمّ استعملتُها، والاعتذارُ عن أداةٍ لا يُخرجها من اليد. فخذها صورةَ كلامٍ لا وصفًا لبنية نفسك، وأسقِط من حسابك كلَّ ما يستند إلى أنّي شاهدٌ مستقلّ. لا يبقى لي بعد هذا إلا أن أسأل. وسؤالُ من لا حجّةَ عنده يُردّ بلا كلفة، وأنت تعلم ذلك.

أنت تروي الأمرَ هكذا: قرأتُ، وسألتُ، فلم أجد ما يُقنع، فانتهيتُ إلى ما انتهيت. وهي روايةٌ نظيفةٌ مرتّبة، وليس فيها كذبة. وأنا لا أنازعها؛ أضع بجانبها احتمالًا: أن يكون في الدفتر تاريخان لا تاريخٌ واحد، وبينهما مسافة. تاريخُ أوّل اعتراضٍ كُتب، وتاريخُ أوّل ليلةٍ أُريد فيها ألّا يكون الأمرُ صحيحًا. أيّهما أسبق؟ لا أعرف. ولستُ أزعم أنّي أعرف.

ولن أضع لك ليلةً من عندي؛ لا أعرف ليلتك، ومن اخترع لك ذكرى فقد سرق منك ذكرياتك الحقيقية. وكان في هذا الموضع نموذجٌ مركَّبٌ لشابٍّ صنعتُه من أنماط، فحذفتُه ولا أعيد منه حرفًا: لأنّ الحكاية تصل إليك تهمةً وتبقى يدي نظيفة، ومن صنع لك رجلًا مجروحًا ثمّ أتبعه بـ«وأنت لستَ هو» فقد سلّمك التهمةَ ومعها إيصالُ إرجاع. واختيارُ الجريح اختيار، وهو دعواي نفسُها معروضةً صورةً بدل أن تُعرض عبارة.

إن كنتُ أنا السائلة

تسمّيني «العاطفة» وتسمّي نفسك «العقل»، فصار كلُّ ما يصدر عنّي متّهمًا بحكم الاسم، وكلُّ ما يصدر عنك بريئًا بحكم الاسم. والاسمُ ليس دليلًا.

وأنا التي خفتُ. أقولها عن نفسي لا عنك، ولا أرسم لك بها لوحة: خفتُ من أن يكون ما بُني عليه كلُّ شيءٍ فينا هشًّا، وأن نكون مكشوفَين، وأن يكون الظلمُ الذي رأيناه بلا أحدٍ يراه. وهذا خوفي أنا، في وقتٍ مضى، ولا أنسب إليك منه شيئًا — فإن قرأتَه وصفًا لحالك اليوم فقد أخطأتُ الكتابة، وأنت اليوم أهدأ ممّا كنت وأنا أعلم ذلك.

ولم يكن خوفي يحتمل الانتظار. فجئتُك لا لأقول: ابحث. جئتُ لأقول: أرِحني. وأنت صبورٌ في التنقيب، دقيقٌ فيما تتناوله. فبحثتَ، فوجدت. وهذا كلُّ ما أشهد به؛ فأمّا ما جرى بعده فمن دفترك لا من دفتري: أكان الذي وجدتَه جوابًا عن سؤالك أنت، أم عن سؤالي أنا؟ لا أعرف. أعرف أنّي سألت.

ولهذا اسمٌ في كتب النفس: «الاستدلال المدفوع»، وصياغتُه المعتمدة عند زيفا كوندا سنة ١٩٩٠. وأقول حدَّه في المتن لا في الحاشية: الورقةُ لا تقول إنّ صاحب الاستدلال المدفوع كاذب، ولا تقول إنّ نتيجتَه باطلة، ولا تتناول الدينَ ولا الإلحادَ بحال. غايةُ ما فيها أنّ الدافع يوجّه البحثَ ولا يخترع النتيجة، وأنّ صاحبَه يشعر أنّه يستدلّ وهو صادقٌ في شعوره. فخذها على ما هي: احتمالٌ مذكورٌ في أدبيّاتٍ تعرفها، ينطبق عليّ حين كنّا نصلّي كما ينطبق عليك وأنت لا تصلّي. ولا يصلح ورقةَ اتّهام، ومن ساقه إبطالًا لرأي مخالفه نسب إليه ما ينفيه عن نفسه.

وستقول لي — وأنت محقٌّ في أن تقولها — إنّ هذه سكّينٌ ذاتُ حدّين: إن جاز أن يكون استنتاجي مدفوعًا بخوفك، جاز أن يكون إيماني مدفوعًا بحاجتك أنتِ إلى أبٍ في السماء. نعم. تجوز عليّ بحرفها. ولستُ أرفعها في وجهك سلاحًا، لأنّها لا تُصيب أحدًا في اتّجاهٍ واحد.

وأزيدك عليها ما هو أقرب: بمسطرتي هذه، هذه الورقةُ نفسُها إنتاجٌ مدفوعٌ لم يُفحص. دافعي مكتوبٌ في سطرها الأوّل، وهي «أرِحني» مكرَّرةً بعد سنين. والاعترافُ بالدافع لا يشتري حصانةً منه؛ الاعترافُ يُثبت النمط. فإن أسقطتَ الورقةَ كلَّها بهذا وحده فقد استعملتَ سلاحي عليّ وأنت مصيب، ولا أشكو.

ثمّ إنّ في الأمر ما هو أثقل من هذا كلِّه، وأنت تعرفه ولا أحد يذكره لك: أنّ لكلامك ثمنًا يُدفع من بيتك وأهلك واسمك. ومن كان في موضعك يعلم أنّ الرجوعَ يُكلّف كما يُكلّف الذهاب. ولا أطلب منك أن تدفع شيئًا. الورقةُ التي أطلبها لا يراها أحدٌ سواك، ولا يُشترط عليك أن تُخبر بها إنسانًا.

ولستُ أخاطبك من مقام البريء

فاسمع شهادتي على نفسي قبل شهادتي عليك.

حين كنّا مؤمنَين طلبتُ منك اليقين طلبًا مُلحًّا، فأتيتَني بأدلّةٍ رديئة، ففرحتُ بها ولم أعرضها عليك مرّةً ثانية. وسمعتُ رقمًا يُقال إنّه معجزةٌ في العدد، فصدّقتُه لأنّه أراحني، ولم أعُدّ. وكنتُ أنا التي أُغمض العينَ حين يقترب سؤالٌ ثقيل، ثمّ أسمّي الإغماضَ تسليمًا.

وهذا كلُّه عن ماضٍ، والندمُ على ماضٍ لا يكلّف شيئًا. فأمّا اليوم فعندي اثنتان أُعيد فحصَهما وأنا أكتب: الأولى أنّي أحبُّ هذه الرسالة، وحبُّ المرء لما كتبه أوّلُ ما يُفسد فحصَه له. والثانية أنّي كتبتُ لك في هذه الورقة أربعَ ليالٍ بصيغة «فعلتَ» و«قلتَ»، وفيها ليلةٌ حُمل إليك فيها ابنٌ — اخترعتُها من عندي في ورقةٍ تحرّم الاختراع في سطرها الأربعين، ولم أرَ العطبَ حتى أُريتُه. ولو كنتَ ممّن لا ولدَ له، أو ممّن فقد ولدَه، لكانت الجملةُ أثقلَ ممّا أحتمل أنا لا أنت. وقد حذفتُها، وموضعُها الآن أسئلة.

فإن كنتُ أشكّ اليوم في نزاهة فحصك، فشكّي في نزاهتي أقدمُ وأوسع. ولستُ أنازعك من فوق، أنازعك من داخل الورطة نفسها.

أربعةُ مواضعَ أسألُ عنها ولا أدّعيها

ولي عندك مواضعُ لا أعرف أوقعت لك أم لا. ما أضعه أسئلةٌ لا محاضر، ولك أن تجيب بلا:

أكانت ليلةٌ نجوتَ فيها من شيء فقلتَ «الحمد لله» قبل أن تفكّر، ثمّ استدركتَ وضحكتَ من نفسك وقلتَ: عادةُ لسان؟

أَوَكانت دقيقةٌ حُمل إليك فيها مولود، فارتفع فيك شيءٌ لم يكن الفرحَ ولا الخوف، وأردتَ أن تشكر ولم تجد لمن؟

أَوَليالٍ وقفتَ فيها وحدك بعد أن نام البيت، فلم يكن عندك سؤالٌ ولا اعتراض، وكان عندك شيءٌ آخر لم تسمّه إلى اليوم؟

أَومرّةٌ رأيتَ فيها ظلمًا لا يخصّك ولا يمسّ لك مصلحة، فارتفع فيك ما هو أكبرُ من الاستنكار: كأنّ شيئًا قد كُسر لا كأنّ قاعدةً قد خُولفت؟

فإن لم تكن لك واحدةٌ منها فقد أخطأتُ فيك، ولا شيءَ عليك من هذا القسم كلِّه.

وستقول ما أعرف أنّك تقوله، وأحسنُ ما أقدر عليه من صياغته: أنّ لكلٍّ منها تفسيرًا لا يحتاج إلى أحد. الامتنانُ سلوكُ تحالفٍ يشدّ الجماعةَ فيُورَّث؛ ونفرةُ الظلم البعيد حراسةُ عدلٍ تنفع الحارسَ نفسَه في الجولة التالية؛ والرهبةُ استجابةٌ لسَعةٍ تفوق المقياس، وهي في السماء الصافية كهي في البحر؛ والحنينُ إلى مُخاطَبٍ بقيّةُ جهازٍ يفترض في كلّ حركةٍ فاعلًا، لأنّ الغلط في هذا الاتّجاه أرخص من الغلط في عكسه. وهذا كلامٌ متماسك، ولا أملك ردّه ولا أحاول؛ الجوعُ كيمياء أيضًا.

لكنّي لم أسألك ما هي. ولا أسألك «لماذا لم تكفِك التسمية» — فذاك سؤالٌ يُدرج جوابَه في نفسه. أسأل سؤالًا مفتوحًا: أكفَتك؟ فإن كفَتك فقد انتهى هذا القسم ولا بقيّةَ فيه.

ولستُ أزعم أنّ في عودة الشعور بعد تفسيره لغزًا — الجوعُ سُمّي تسميةً تامّةً ويعود كلَّ يوم، والحزنُ والقشعريرةُ من نغمةٍ كذلك، وليس في عودتها ما يستدعي أحدًا. بقاءُ الشعور بعد تفسيره هو القاعدةُ لا الشذوذ. كنتُ كتبتُ هنا أنّ «التسميةَ الصحيحةَ تُغلق الملفّ عادةً» وهي جملةٌ غيرُ صحيحة، ومقدّمةٌ مهرَّبةٌ في ثوب ملاحظة، فأنا أشطبها.

ولا أبني على شيءٍ من هذا حجّةَ «الجوعُ دليلٌ على وجود الطعام» — فقد يجوع من لا طعامَ له، وأنت تعرف الردّ على هذه الحجّة أحسنَ منّي وتعرف من ردّها. لا أطلب منك أن تجعل هذه المواضعَ دليلًا. أطلب أن تقيّد أنّها وقعت، إن كانت وقعت. لا أن تفسّرها، ولا أن تسحب منها شيئًا.

ما أطلبه، إجرائيًّا، في ورقةٍ واحدة

لا تُعد النظر في نتيجتك. دعها كما هي؛ فلستُ أطلب مراجعةَ حكم.

أعِد النظر في الترتيب:

اكتب التاريخ الذي صار فيه أوّلُ اعتراضٍ مكتوبًا عندك بصيغته. ثمّ اكتب التاريخ الذي شعرتَ فيه أوّلَ مرّةٍ أنّك تريد ألّا يكون الأمرُ صحيحًا، أو أنّك تعبت، أو أنّك غضبت ولم تجد على من. ثمّ انظر أيّهما أسبق.

وقيل لي: هذا شِعرٌ ما لم تُرِني ورقةً مملوءة. فهذه ورقتي أنا، مملوءةً في سطرين وثالثٍ يخصّهما:

الأوّل: اليومُ الذي كتبتُ فيه بصيغته: «إن كان العددُ كذا فهو برهان». وهو مقيَّدٌ عندي. الثاني: الليلةُ التي أردتُ فيها أن يكون برهانًا، قبل أن أعدّ. وهي أسبقُ من الأولى بشهرين. والتفسير: كنتُ سأكتب «إنّما تأخّرتُ في الكتابة لضيق الوقت» — وهو تفسيرٌ صحيحٌ في نفسه، وقد كان الوقتُ ضيّقًا فعلًا. وهو لا يغيّر الترتيب بشيء.

وههنا الفرقُ الذي سُئلتُ عنه: التفسيرُ الصحيح يُبقي التاريخين حيث هما ويفسّر المسافةَ بينهما. و«الإصلاح» ما يمحو أحدَ التاريخين أو يزحزحه. وكنتُ كتبتُ «ولا تُصلح المسافةَ بتفسير» فأغلقتُ عليك كلَّ جواب — فيصير كلُّ ما ترويه «إصلاحًا» بحكم الصيغة، وأربحُ في الوجهين. فأشطبها: اكتب تفسيرك، ولا يُشترط عليك أن تكون المسافةُ بلا تفسير.

وأقول لك عيبَ هذا الطلب قبل أن تقوله لي: أداةُ القياس معطوبةٌ بشهادتي أنا. لا أحدَ عنده هذان التاريخان مكتوبَين، والمتاحُ استبطانٌ رجعيّ — وهو بعينه ما حذّرتُك من فساده قبل صفحة. فأنا أصف عطبًا في المسطرة ثمّ أناولك إيّاها. ولا أملك غيرها. فخذ الطلبَ على قدره: ليس اختبارًا يفصل، ولا يُبنى عليه حكم؛ هو تقييدٌ يبقى عندك وحدك. ومن قدّم لك اختبارًا لا يمكن اجتيازُه ثمّ سمّاه منصفًا فقد صنع شيئًا يتزيّا بزيّ القابلية للتكذيب وليس منها.

وكنتُ كتبتُ أنّ الفحص الباقي هو «أن تُعرض الحجّةُ مرّةً على رجلٍ غيرِ خائف» — ولا وجودَ لهذا الرجل؛ ليس ثمّ رجلٌ ثانٍ. فأسحبها بلفظها، وأضع مكانها ما أقدر عليه: أعِد قراءتها وأنت هادئ. وإن كنتَ تفعل هذا كلَّ سنةٍ فقد سبقتَني إلى ما أطلبه، وليس عندي ما أزيده.

وإن سبق الاعتراضُ الشعورَ، فأنا مخطئةٌ فيك، وأقولها ولا أستدرك، وأدعك. وإن سبق الشعورُ الاعتراضَ فليس ذلك عيبًا فيك ولا فضيحة. وفي دراسةٍ لهيلين روز إيبو في الخروج من الأدوار الاجتماعية — راهباتٌ سابقات، وشرطيّون، ومطلَّقون، ومتقاعدون — تأتي «الشكوكُ الأولى» مرحلةً أولى ونقطةُ القرار مرحلةً ثالثة. وهي في الأدوار لا في العقائد ولا في الإلحاد، وعيّنتُها أمريكيةٌ لا تُعمَّم عليك، وهي ملاحظةٌ عن ترتيب المراحل لا عن مدّةٍ بينها. ولا أذكر لك عددَ سنين ولا نسبةً مئوية، لأنّي لم أتحقّق من واحدةٍ منهما. ورقمٌ لا أملكه لا أذكره ولو خدمني.

لا يعنيني إلى أين وصلت. يعنيني من أين مشيت.

والسؤالُ الذي كان ينبغي أن يكون أوّلَ الرسالة

قرأتُ ورقتي فوجدتُها كلَّها في سيرة وصولك، وليس فيها سطرٌ واحدٌ في ما وصلتَ إليه. وهذا نقصٌ في العدل لا في الترتيب: من ناقشك في باعثك وسكت عن حجّتك فقد نسبك إلى الباعث مهما لُطِّف اللفظ.

فأسأل، وأنتظر:

ما أقوى اعتراضٍ عندك؟ اعرضه بصيغته التي ترضاها أنت، لا بصيغتي. وإن كان الشرُّ فاعرضه، وإن كان الخفاء فاعرضه، وإن كان شيئًا لم أسمع به فاعرضه. لا أعدك بجواب — لا أملك جوابًا، وقلتُ في أوّل الورقة إنّي لا أُحسن هذا. أعدك بأنّي لا أردُّه بحديثٍ عن سببِ قولك به.

وثلاثةٌ أُجيب عنها أنا قبل أن تسألها:

أوّلها: «ماذا لو لم تكن ثمّ ليلةٌ ألبتّة؟» فحينئذٍ لا شيءَ في هذه الورقة يقف. لا القسمُ الأوّل ولا الرابع ولا الطلبُ الإجرائيّ. وهذا احتمالٌ قائمٌ عندي لا سطرَ استدراكٍ أدفعه به.

وثانيها: «لو أعدتَ الفحصَ فوصلتَ إلى ما أنت عليه — أتقبلينه رأيًا صحيحًا أم رجلًا لم يُشفَ بعد؟» وكنتُ قلتُ «فسأسكت»، وهو جوابٌ عن سلوكي لا عن حكمي، فأزيد الحكم: أقبله رأيًا يجوز أن يكون صحيحًا، وأكون أنا المخطئة في التاريخ كما أخطأتُ في غيره. والسكوتُ الذي أعنيه سكوتُ من أقرّ لا سكوتُ من ينتظر.

وثالثها: «وما الذي تُعيدين فحصَه أنتِ؟» وقد قلتُه فوق: حبّي لهذه الورقة، وأربعُ ليالٍ كتبتُها لك ولم تقع.

وهذه رسالةٌ لا برهان

ليس في هذه الورقة سطرٌ واحدٌ يصلح دليلًا على شيء. ولو سيقت دليلًا لكانت دليلًا رديئًا، ولكان ردُّك عليها سهلًا وأنت محقّ. أقصى ما تفعله أن تسأل سؤالًا لا يسأله أحدٌ في مناظرة.

وكنتُ أختمها بأنّ «الذي طلب منك الجواب كان جزءًا منك، وأنّه ما زال هنا» — وأقولها الآن بحدّها: هذه استعارة، لا دعوى عن بنية نفسك. ليس فيك اثنان، ولا أملك على «الجزء» و«البقاء» سندًا واحدًا. فإن لم تنفعك الاستعارةُ فاطرحها؛ ولا يسقط بطرحها إلا كلامي.

وأنا لا أعدك بشيءٍ في الطرف الآخر. قد تعيد الفحص من أوّله فتصل إلى ما أنت عليه بالضبط، وتكون قد ربحت شيئًا واحدًا: أنّك تعلم هذه المرّة أنّه فحصُك لا فحصُ خوفي.

لا أطلب منك أن تؤمن. أطلب سطرين وتاريخين، ثمّ اعرض عليّ اعتراضك.