تخطَّ إلى المحتوى

ردُّ العقل — وأينَ يقع بابي

قرأتُ ورقتَكِ مرّتين. في الثانية كنتُ أعدّ ما تطلبينه لا ما أردّ به. وجدتُ ثلاثةَ مطالب: سطرين وتاريخين، وجوابًا عن أربعة أسئلة، واعتراضي بصيغتي أنا. أمشي عليها بالترتيب، ثمّ أزيد بابًا لم تسأليني عنه.

وأبدأ بما لا يسرّني: أنتِ سحبتِ من ورقتك أكثرَ ممّا كنتُ سأسحبه منها. أسقطتِ شهادةَ «كنتُ في الغرفة»، وحذفتِ الشابَّ المركَّب، وأقررتِ أنّ الورقةَ نفسَها إنتاجٌ مدفوعٌ لم يُفحص. وكانت عندي مسوّدةٌ مرتّبةٌ ترتّب هذا كلَّه ردًّا. فلمّا صارت ورقتُكِ على هذه الصورة لم يبقَ فيها إلا سلاحٌ بلا خصم. طرحتُها، وكتبتُ هذه.

١ · التاريخان: أوّلُهما عندي، والثاني لا أملكه

سألتِ نفسَكِ قبلي: «ماذا لو لم تكن ثمّ ليلةٌ ألبتّة؟»

لم تكن.

لا ليلة، ولا حادثة، ولا مجلسٌ أُهنتُ فيه، ولا موتٌ ولا مرض. الذي وقع أنّي قرأتُ ثلاثَ سنواتٍ في اتّجاهٍ واحد، وكنتُ في أوّلها أسأل لأطمئنّ، فصرتُ في آخرها أسأل ولا أنتظر. وانتهى الأمرُ كما ينتهي عقدُ إيجارٍ لم يُجدَّد: بلا مشهد. وأقربُ وصفٍ عندي له مَلَلٌ تراكميّ من أجوبةٍ لا تُجيب. ليس فيه ما يصلح لصفحة.

وأزيدُكِ ما ليس في مصلحتي: هذا — فيما أرى — هو الأكثر، وهو الأقلُّ ظهورًا. الجرحُ يُروى، والمَلَلُ لا يُروى. فمن كتب عنّا كتب عن المجروح لأنّه الوحيدُ الذي تصلح حكايتُه.

أمّا التاريخان فهذا ما أملكه منهما بالضبط:

الأوّل: أوّلُ اعتراضٍ مكتوبٍ بصيغته — مقيَّدٌ عندي بتاريخه، لأنّي أكتب ما أقرأ منذ زمن. الثاني: لا أملكه. التعبُ ليس له تاريخٌ يُكتب. لا أستطيع أن أضع بإزاء الأوّل ليلةً؛ لا لأنّها ليست، بل لأنّي لا أعرف.

ولن أخرج من هذا بريئًا: من لا يملك التاريخ الثاني لا يستطيع أن يقول إنّه متأخّر. غايةُ ما أقوله أنّ المسطرةَ التي وصفتِ عطبَها ثمّ ناولتِنيها معطوبةٌ عندي أيضًا، وبالجهة نفسها: الاستبطانُ الرجعيّ يُخرج شيئًا يشبه الحكاية دائمًا، والحكايةُ تحبّ الليلة.

ولأنّكِ صرّحتِ بما يترتّب على هذا الجواب، أقوله بلفظكِ ولا أُتبعه شماتة: القسمُ الأوّل والرابع والطلبُ الإجرائيّ — لا شيءَ منها يقف. والباقي أثقلُ منها كلِّها: سؤالُكِ عن اعتراضي. وإليه أمشي، ولكن بعد موضعين.

٢ · حجّةُ الأصل: لا أرفعها في وجهك

كان في مسوّدتي صفحةٌ تقول: انظري إلى أصل إيمانك، فقد وُلدتِ فيه. وأشطبها ولا أُبقي منها حرفًا، لسببين:

الأوّل أنّكِ لم ترفعيها عليّ. لم تقولي إنّ استنتاجي باطلٌ لأنّ باعثَه كذا؛ قلتِ ما هو أدقُّ وأعسرُ ردًّا: إنّكِ سألتِ، وإنّكِ لا تعرفين أكان الذي وجدتُه جوابًا عن سؤالي أم عن سؤالك. ثمّ نزعتِ السكّينَ بيدك: «لا تُصيب أحدًا في اتّجاهٍ واحد». فمن رفع سلاحًا نُزع قبل أن يمسّه فقد صارع نفسَه.

والثاني أنّها لو رُفعت لأصابت الاثنين. البيتُ الذي وُلدتِ فيه بيتي، والاسمُ الذي سمعتِه قبل أن تعرفي معناه سمعتُه معكِ.

والقاعدةُ التي أريد الاتّفاق عليها واحدة: أصلُ الاعتقاد لا يفصل في صدقه. والتفسيرُ النشوئيّ للدين — كتاب باسكال بواييه مثلًا — موضوعُه كيف نشأ الاعتقاد لا هل هو صادق؛ والانتقالُ من الأوّل إلى الثاني مغالطةُ التكوين، في الاتّجاهين معًا. وهذا حكمي على مدى الكتاب، لا نصٌّ أنقله عن مؤلّفه — وقد صرتُ أُميّز بين الاثنين بعد أن أخطأتُ فيهما، وسأذكر أين بعد قليل.

وعبارتان تُقالان فيه: «العلمُ أثبت أنّ الدين وهمٌ في الدماغ»، و«العلمُ أثبت الفطرة». سمعتُهما في التعليقات لا في الأوراق، ولستُ أنسبهما إلى قومٍ ولا إلى قوم. والورقةُ التي يُحتجّ بها لا تقول لا هذه ولا تلك.

وسطرٌ كان في مسوّدتي أشطبه أيضًا: «ولو وُلدتِ على بُعد ألفَي كيلومتر لكنتِ الآن تكتبين عن إلهٍ آخر». الصوابُ أن يقال: لكان الأرجحُ. أثرُ النشأة أثرٌ في المجموع، والجزمُ به في شخصٍ بعينه زيادةٌ من جنس ما أعيبه.

٣ · الفحص: هذه أجوبتي، ومنها ما يكلّفني

سألتُ نفسي ثلاثةً وأجيب عنها بأمثلةٍ لا بدعوى.

هل قرأتُ أقوى ما عند الطرف الآخر؟ أحسنُ ما أستطيع قولَه: قرأتُ صيغةَ الحجّة عند أهلها لا صيغتَها في المنبر. وأنتِ سمّيتِ غراهام أوبي، فأقول ما فيه عليّ لا لي: هو ينتهي إلى أنّ حجج وجود الله لا تنجح بمعياره — ثمّ يطبّق المعيار نفسَه على حجّة الشرّ فيردّها كذلك. فأقوى ما في يدي لا يبلغ البرهان بميزانِ من أستشهد به. أقبل هذا، وسأبني عليه في القسم الخامس.

هل عرضتُ حججي على من يستطيع كسرها؟ أقلَّ ممّا ينبغي. أكثرُ من أعرضها عليهم يوافقني، وموافقتُهم لا تساوي شيئًا. وهذا عيبٌ فيّ لا مزيّة.

هل غيّرتُ رأيًا تحت ضغط دليل؟ لن أقول «في مواضعَ وسأدلّكِ عليها»؛ الوعدُ بمثالٍ ليس مثالًا. فهذان اثنان بأسمائهما:

الأوّل: كنتُ أردّد أنّ أكثر حروب التاريخ سببُها الدين. طُلب منّي المصدر، فذهبتُ أتتبّع، فوجدتُ الدعوى أوسعَ من أيّ عدٍّ يسندها. تركتُها، ولا أقولها اليوم. وكانت تنفعني في المجالس.

والثاني: كنتُ أسوق «خوذة الله» على أنّ العلم فسّر التجربة الدينيّة. ثمّ قرأتُ الورقة: تجربةٌ مزدوجةُ التعمية بمجموعةٍ ضابطةٍ زائفة، لم تُعِد إنتاجَ الأثر، وكان المتنبّئُ بالتجربة قابليّةَ الإيحاء لا المجال. وهي لا تقول إنّ التجربة الدينيّة إيحاءٌ محض، ولا تفصل في مصدر الإحساس بالحضور؛ أسقطت دعوى المجال وحدها. وصاحبُ الدعوى نازع في المنهج — في الجهاز المستعمل وفي مدّة التعريض — وقال إنّ الفريق لم يُعِد إجراءاته، والنزاعُ لم يُحسم إلى اليوم. فمن قال «العلمُ فسّر تجربتَكِ» فقد زاد، ومن قال «العلمُ عجز فبقي الله» زاد مثلَه. وأنا كنتُ الأوّل.

وثالثٌ لا أعدّه لي: كنتُ أنقل عن مكِي أنّه ملحدٌ يعترف بأنّ الأخلاق الموضوعيّة تحتاج إلهًا — سمعتُه ولم أقرأه. ثمّ قرأتُ الكتاب فوجدتُه ينكر وجودَ القيم الموضوعيّة رأسًا، والمقدّمةُ التي كنتُ أسوقه شاهدًا عليها هي التي يهدمها. وأصحّحه اليوم كلّما سمعتُه. ولا أقدّمه شهادةً على نزاهتي، لأنّ تصحيحَه يخدمني؛ والرجوعُ الذي يُحسب هو الذي يكلّف.

وكنتُ سأقيس أمرَ الدافع بالطبيب الذي مات أبوه بمرضٍ فبحث فيه، وأنّه ليس أضعفَ حجّةً من غيره. وأكسر القياسَ بيدي قبل أن تكسريه: الطبيبُ يُصحَّح بتحكيمٍ وتكرار، وليس لاستنتاجي محكّمٌ ولا تكرار. فالقياسُ لا يُنجيني، وأتركه. يبقى الفرقُ الذي أتمسّك به مجرّدًا من صورته: التحيّزُ في اختيار السؤال غيرُ التحيّز في فحص الجواب — وهذا فرقٌ لا يبرّئني، إنّما يفتح بابَ السؤال عن الفحص. وأنتِ فتحتِه.

وكان في مسوّدتي جملةٌ أستحي منها: «أخشى أن يكون خلطُ الدافع بالدليل أعجبكِ لأنّه ينفعكِ هنا لا لأنّه صحيح». وهي إخبارٌ بما في داخلكِ وأنا خارجه — أي الشيءُ الذي أشكركِ في هذه الرسالة على أنّكِ لم تفعليه. وأنتِ التي سمّيتِ المغالطةَ، وقيّدتِ حدودَها في المتن، وأنزلتِها على ورقتك قبل أن تُنزليها عليّ حتى قلتِ إنّها هي نفسُها إنتاجٌ مدفوعٌ لم يُفحص. ولا أستعمل هذا الإقرار عليكِ: من فتح على نفسه بابًا لا يدخل منه خصمُه.

٤ · الأربعة: نعم، ولا، وواحدةٌ لم تكفِني

قيّدتُها كما طلبتِ، ولا أسحب منها شيئًا ولا أنتِ طلبتِ.

الأولى — «الحمد لله» قبل أن أفكّر: نعم، تقع. وتفسيري عندي كافٍ: لسانٌ نشأ على لغةٍ فيها الاسم، ويقولها من لا يقصده كما يقولها من يقصده.

الثانية — دقيقةٌ حُمل إليّ فيها مولود: نعم. ارتفع شيءٌ لم يكن الفرحَ ولا الخوف، وأردتُ أن أشكر ولم أجد لمن. أقيّدها ولا أزيد.

الثالثة — ليالٍ بلا سؤالٍ ولا اعتراض، وفيها شيءٌ لم أسمّه: نعم.

والرابعة — ظلمٌ لا يخصّني، فارتفع فيّ ما هو أكبرُ من الاستنكار: نعم. وهذه أثقلُها عليّ، وسأعود إليها في البابين.

وسألتِ سؤالًا مفتوحًا: أكفَتْني التسمية؟ كفَتْني في ثلاث. ولم تكفِني في الرابعة. ولا أستخرج من عدم الكفاية شيئًا: عدمُ كفاية التفسير عندي حالٌ فيّ، لا خبرٌ عن العالم. وأنتِ قلتِ هذا بنفسكِ حين شطبتِ «التسميةُ الصحيحةُ تُغلق الملفّ»، فلا أعيد فتح ما أغلقتِه عليكِ.

٥ · اعتراضي، بصيغتي — وهو الذي سألتِ عنه

هذا موضعُ الرسالة، وقد كان ناقصًا فيها من قبل. سأقوله بصيغةٍ أرضاها، لا بصيغةٍ تُحبّ.

موقفي ليس شعورًا يُعرض بإزاء شعور. هو مطلبٌ إجرائيّ.

انتبهي إلى الفرق، فعليه يقوم كلُّ شيء: لو صارت المسألةُ تبادلَ بواطنَ — أُريكِ من الداخل كيف يبدو الأمرُ عندي وتُرينني كيف يبدو عندكِ — لغلبت الحكايةُ الأدفأ. والدفءُ ليس ميزانًا، ولستُ أنازعكِ في الدفء أصلًا؛ هو عندكِ وأُقرّ به.

وصيغةُ الاعتراض:

دعوى بهذا الحجم تحتاج سندًا بحجمها. أن يكون وراء الوجود ذاتٌ عالمةٌ قادرة، وأن يكون لها فيّ أمرٌ ونهيٌ وحساب — هذه أضخمُ دعوى يمكن أن تُعرض على إنسان. والذي عُرض عليّ لا يبلغ حجمَها. والعبءُ على المدّعي.

وأخصُّ منها موضعان أقيس عليهما:

الأوّل: الخفاء. إن كان يُراد لي أن أعلم، فالعلمُ متاحٌ إتاحةً غريبةَ التوزيع. والعقائدُ تتوزّع على الخريطة توزيعَ اللغات لا توزيعَ الاكتشافات. الرياضيّاتُ تصل إلى الجواب نفسه في طوكيو وفي القاهرة وبعد ألف سنة، والمسألةُ الكبرى لا تفعل. وأنا أعرف أنّ عندكم عن هذا جوابًا — أنّ الإجبار على العلم ينقض الغرضَ منه — ولا أقول إنّه لا شيء. أقول: يلزمكِ أن تقوليه بلفظكِ، فقد سألتِني بلفظي.

والثاني: الشرّ. ولا أسوقه بالصورة التي يُساق بها: طفلٌ يتوجّع في مكانٍ لا يراه أحدٌ ولا يبلغ خبرُه أحدًا فلا يعتبر به معتبر. ما يعنيني فيه ليس الألم؛ ما يعنيني الفائضُ منه على أيّ غرضٍ يُذكر له.

وأقول عليه ما يكسره في يدي: بميزان أوبي — وهو الذي سمّيتِه أنتِ — حجّةُ الشرّ لا تنجح كما لا تنجح حجج الإثبات. وأقبل ذلك. ولا يهدم موقفي، لأنّ موقفي ليس نفيًا أبرهن عليه: أنا لا أدّعي أنّي أعلم أن ليس ثمّ أحد. أقول: لم يقم عندي الدليل. ومن لم يقتنع ليس عليه أن يبرهن على عدم اقتناعه. هذا هو الميزانُ الوحيد الذي أقف عليه، وأخشى أن أكون في مسوّدتي الأولى تنازلتُ عنه من حيث أردتُ أن أبدو منصفًا.

٦ · بابي — وأوّلُ ما أقوله فيه أين لا يقع

كان عندي في المسوّدة بابٌ أعرضه: لا أعرف كيف أُقيم إلزامًا أخلاقيًّا حين يخلو المرءُ من كلّ رقيب. وكنتُ سأصدّره بأنّ قواعد هذه المراسلة تُلزمني بخسارة.

وأشطب الجملتين معًا.

الأولى لأنّ خسارةً تُدفع لأنّ الشكلَ يقتضيها ليست خسارة؛ ومن أعلن أنّه سيخسر ثمّ اختار موضعَ خسارته فقد وزّع الأدوارَ لا فحص نفسه.

والثانية — وهذه أثقلُ عليّ — لأنّ ذلك البابَ ليس أثقلَ ما عندي، وإنّما هو أنفعُ ما عندكِ. اخترتُه لأنّه يقع بالضبط حيث عندكِ مفتاحٌ معروض. وذاك اختيارُ مجاملةٍ لا اختيارُ صدق، ولا يُصلحه أن أُتبعه بـ«عجزي ليس دليلَكِ».

وأقول في المسألة الأخلاقيّة ما أعتقده، ثمّ أنتقل:

لستُ عالقًا فيها. أن أعتقد أنّ تعذيب طفلٍ خطأٌ في نفسه ولا أملك له تأسيسًا مكتملًا ليس تناقضًا. الرياضيُّ يشتغل بالأعداد كلَّ يومٍ ولا يحسم فلسفة الرياضيات، ولا يُقال إنّه عالق. والمقدّمةُ المهرَّبة أنّ ما لا أساسَ له لا يُعتقد — ولا أقبلها. وأنتِ نفسُكِ شطبتِ في ورقتك مقدّمةً مهرَّبةً في ثوب ملاحظة، فتعرفين الصنف.

وأهلُ الصنعة أجابوا، وأجوبتُهم ليست فارغةً كما تركتُها في مسوّدتي أسماءً في نصف سطر:

  • دايفيد إينوخ يدافع عن أنّ ثمّ حقائقَ أخلاقيّةً قائمةً بنفسها لا تُردّ إلى مادّةٍ ولا إلى أمر آمر. وحجّتُه أنّها لا غنى عنها في المداولة: لا تستطيع أن تسأل «ماذا أفعل؟» بغير أن تفترض أنّ لبعض الأفعال أولويةً على بعض، فما لا غنى عنه في المداولة يُؤخذ في الأثاث كما تُؤخذ الأعداد في الفيزياء. وهو دفاعٌ لا حسم، ولا يجادل الكتابُ في وجود الله ولا يتناوله؛ أقصى ما فيه أنّ دعوى «لا قيم موضوعيّة بلا إله» دعوى قابلةٌ للتكذيب، وهذا مثالُها المضادُّ المطروح للنقاش. ولماذا لم يُغلق البابَ عندي؟ لأنّ «لا غنى عنه في المداولة» يُثبت أنّي مضطرٌّ إلى افتراضه، ولا يُثبت أنّه واقع. وهذا اعتراضي أنا، وله عنده جواب، ولم يقنعني — وقولي «لم يقنعني» ليس حكمًا عليه.
  • إريك وايلنبرغ يقول إنّ غرابة حقائقَ أخلاقيّةٍ قائمةٍ بنفسها ليست فوق غرابة ضروراتٍ يلتزمها المؤمنُ نفسُه. وهي دعوى تكافؤ عبءٍ لا دعوى إثبات، وهو يصرّح بذلك؛ ومن نقله «إثباتًا للأخلاق بلا إله» زاد عليه. وتكافؤُ العبء يُريحني من تهمةٍ ولا يعطيني أساسًا.
  • شارون ستريت تذهب إلى أنّ نشأتنا التطوّريّة تُشكّك في إدراكنا للقيم أصلًا: قوًى تُشكّل أحكامَنا لأنّها نافعةٌ لا لأنّها صادقة. ومخرجُها هي البنائيّة — أنّ القيم ليست مستقلّةً عن مواقفنا التقييميّة، فلا يبقى شيءٌ خارجَنا يُخشى أن نكون انحرفنا عنه. والورقةُ لا تنتهي إلى سقوط الأخلاق ولا إلى أنّه لم يبقَ إلا الوحي. وأزيد استخلاصًا هو استخلاصي لا نصُّها: المعضلةُ تصيب الواقعيّةَ الإلهيّةَ أيضًا ما دامت تجعل الحقائق مستقلّةً عن مواقفنا.
  • ج. ل. مكِي ينكر وجودَ القيم الموضوعيّة رأسًا: حجّةُ الغرابة — أنّ قيمةً تأمرك بنفسها شيءٌ لا يشبه شيئًا آخر في العالم — وحجّةُ الاختلاف. وكنتُ كتبتُ «مخرجٌ متماسكٌ وأنا لا أطيقه»، وهو تصغيرٌ لموقفٍ يُناقَش لا يُذاق. والصوابُ أنّي أقربُ إلى قبوله ممّا يظهر في كلامي؛ الذي يمنعني ليس ذوقًا، إنّما أنّي لم أهضم بعدُ ما يترتّب على قوله في الرابعة من أسئلتك.

فهذا بابٌ في يدي، وليس مقفلًا كما صوّرتُه. أمّا البابان اللذان لا مفتاحَ عندي لهما فهذان، وأقولهما لأنّهما موضعي فعلًا:

١ · الوعي. لماذا يرافق هذا اللحمَ شيءٌ يُشبه أن يكون؟ لا أملك خيطًا. ولا أعرف كيف يبدو الجوابُ لو وُجد.

٢ · لماذا وُجد شيءٌ لا لا شيء. لا جوابَ عندي، ولا أقول إنّ السؤال باطل. ومن قال «السؤالُ خطأٌ في صياغته» فقد أراحني بلفظٍ لا بأمر.

وأقولها بلا مجاملة، وهي عليكِ لا لي: وضعُ اسمٍ في هاتين لا يُغني عندي. من أجاب في مسألة الوعي بذاتٍ واعيةٍ فقد أجاب عن الوعي بوعي، ومن أجاب في مسألة الوجود بموجودٍ فقد نقل السؤالَ خطوةً. وهذا اعتراضٌ لا برهان؛ يجوز أن يكون النقلُ خطوةً هو غايةَ ما يمكن، وأن يكون طلبي غيرَ معقول. لا أعرف.

وعجزي ليس دليلَكِ. مسألةٌ لم تُحلَّ عندي لا تصير محلولةً عندكِ بمجرّد أن تضعي فيها اسمًا. الفجوةُ فجوتي، وهي مفتوحةٌ منذ سنين، وأنا أكتبها هنا بخطّ يدي حتى لا أُنكرَها في مجلسٍ آخر.

وكنتُ ألوّح في مسوّدتي بأنّ عندكم جوابًا «يفتح معضلةً أقدمَ منه بألفَي سنة» ولا أسمّيها. والتلويحُ بسلاحٍ مع إعلانِ أنّي لن أسلّه ليس كرمًا، هو استعلاء. فأسمّيها: معضلةُ أوثيفرون — أحَسُنَ الحسنُ لأنّه أُمر به، أم أُمر به لأنّه حسن؟ فإن كان الأوّل صار الحسنُ اعتباطًا، وإن كان الثاني صار فوقه ميزان. وأعرف أنّ أشهر أجوبتها أنّ الطرفين ليسا الطرفين: لا أمرٌ منفصل ولا معيارٌ فوقه، بل صفةٌ في الذات. وهو جوابٌ قائمٌ لا أزعم أنّه لا شيء.

والسؤالُ الذي حجبتُه في مسوّدتي وسمّيتُ الحجبَ أدبًا، أقوله الآن لأنّ حجبَه كان حمايةً لكِ لم تطلبيها: لو عرض لكِ في نصٍّ تُقدّسينه ما يبدو لكِ ظلمًا بيّنًا، أتقولين «فَهمي قاصر» أم «حكمي قاصر»؟ ولا أطلب منكِ اختيارًا؛ أطلب أن تقولي بأيّ ميزانٍ اخترتِ. فإن كان في يدكِ ميزانٌ تزنين به فهمَكِ، فذاك الميزانُ هو موضعُ سؤالي كلِّه.

٧ · وما هذه الرسالة

ليس فيها برهانٌ على نفي، ولستُ أزعمه ولا أحتاجه. وفيها اعتراضٌ ومطلب، وقد كتبتُهما بصيغتهما في القسم الخامس، فمن قرأ الورقةَ فوجدها حكايةً عن باطني فقد قرأ غير ما كتبت.

وأقول ما لي فيه شهادةٌ على نفسي: هذه الورقةُ ليست أنظفَ من ورقتك. كتبتُها وأنا أعرف أنّها ستُقرأ، ومن كتب ليُقرأ اختار. وأربعةُ مواضعَ شطبتُها فيها كانت كلُّها تربحني شيئًا: ليلةٌ لم تقع، وسيفٌ لا خصمَ له، وخسارةٌ مختارة، وسؤالٌ محجوب.

ولا أُنهي بغالبٍ ومغلوب. أُنهي بثلاثٍ ألتزمها وأطلب مثلَها:

أن يقرأ كلٌّ منّا أقوى ما عند الآخر لا أضعفَه؛ وألّا يُطالِبَ أحدُنا الآخرَ بيقينٍ لا يملك هو مثلَه؛ وأن يقول كلٌّ منّا «لا أعرف» في موضعها.

فإنّ أثقلَ ما في هذا الباب ليس الخلاف، بل اثنان يتناظران وكلاهما يعرف في سرّه أنّ عنده بابًا لا مفتاحَ له، وكلاهما يتكلّم كأنّ البابَ مفتوح.

بابي أَرَيتُكِه، وأينَ يقع لا أين ينفعكِ أن يقع. فأرِيني بابَكِ، ثمّ نبدأ.