٢٤. كيف تحاور من يشكّ — وكيف تحاور من يؤمن
تصريحٌ قبل الفصل، وهو اعتراضٌ بنيويٌّ وُجّه إلينا: قال قارئٌ شاكّ: «نشرُ هذا الفصل في الكتاب الذي يُعطى لي يُبطله. إذا قرأتُ القواعد، فحين يبدأ أخي بـ«متى بدأتَ تشكّ؟» لن أسمع سؤالًا، سأسمع القاعدة الأولى». وهذا صحيح، وهو مقصود. والبديلُ أن تُكتب القواعدُ لجهةٍ وتُخفى عن الأخرى، وذاك يجعلها تكتيكًا لا أدبًا. والقاعدةُ التي تنكسر إذا عرفها الطرفُ الآخر قاعدةُ تلاعبٍ تستحقّ أن تنكسر. وما بقي منها بعد الإعلان — ألّا تُفزَع، وأن تقول «لا أعرف»، وألّا تناظره أمام الناس — يعمل وهو معلوم، بل يعمل أحسن. وقد أضفنا القسم الأخير مقابلةً بالمثل: كيف تحاور من يؤمن، بالقواعد نفسِها معكوسةً.
السؤال: جاءك أخوك أو ابنُك أو صديقُك بشكّ. فماذا تفعل؟
الجوابُ في سطرين: ستُّ قواعد، وكلُّها فرعٌ عن واحدة — أن تكون مستعدًّا لأن يبقى حيث هو. وإن لم تكن مستعدًّا شمّ ذلك منك في أوّل جملة، وانتهى الحديثُ قبل أن يبدأ.
١. ابدأ بالسؤال لا بالجواب
«متى بدأتَ تشكّ؟» تفتح. «ما دليلك؟» تُغلق.
والسبب: السؤال الثاني يضعه في مقام المدَّعى عليه، فينشغل بحماية موقفه عن فحصه. والأوّل يطلب سردًا، والسردُ يُخرج ما لا يُخرجه الاستجواب.
المثال: الطبيبُ الجيّد يبدأ بـ«ما الذي تشكو منه ومتى بدأ؟» لا بـ«أثبت لي أنّك مريض». والفارقُ ليس لطفًا؛ هو أنّ الجواب الأوّل يحمل معلومات تشخيصية والثاني يحمل دفاعًا.
وإن عرف أنّها قاعدة فقل له: نعم، هي قاعدةٌ مكتوبةٌ في كتابٍ قرأتَه — وأنا أسألها لأنّي أريد أن أعرف، لا لأنّها رقم واحد. والصدقُ في هذا يُسمع، والادّعاءُ يُشمّ.
٢. لا تُفزَع
إظهارُ الذعر يقول له: أنت ضائع. فيتحوّل موقفُه من سؤالٍ يفحصه إلى هويّةٍ يدافع عنها. والهويّةُ لا تُناقَش، السؤالُ يُناقَش.
المثال: الطبيبُ يفتح ورقة التحاليل ووجهُه يشحب. المريضُ لم يقرأ الورقة بعد، وقد قرأ الوجه. ولن يسمع بعدها كلمةً واحدة كما قيلت.
٣. قل «لا أعرف» حين لا تعرف
والسبب أنّ جوابًا واحدًا مصطنعًا يكشفه، فتسقط عندك كلُّ أجوبتك الصحيحة معه. والاعترافُ بحدّ علمك يشتري ثقةً تُنفقها حيث تعرف.
المثال: ميكانيكيٌّ خمّن العطلَ فاستبدل قطعةً بلا داعٍ. عادت السيارةُ تتعطّل، فصرتَ تشكّ في كلّ ما قاله لك قبلها — بما كان صحيحًا منه.
٤. افصل الله عمّن آذاه باسمه — بلا تبرئةٍ رخيصة
الصيغةُ السيئة: «الدينُ بريء وما فعله أبوك لا يمثّله». تُسمع دفاعًا عن مؤسّسةٍ على حساب المتألّم، وتُكذّبه في أوضح ما يعرف — فالصلةُ قائمةٌ في تجربته وإن لم تكن قائمةً في الحكم.
والأنفعُ ثلاثُ خطوات: أن تسمّي الفعلَ باسمه (ظلمٌ، أو قسوة)؛ ثمّ تُقرّ بأنّه وقع باسم الدين فعلًا؛ ثمّ تعرض الفصلَ احتمالًا يملكه لا واجبًا يُفرض عليه ولا شرطًا لقبوله.
والسبب النفسيّ: كثيرٌ من الغضب موجَّهٌ إلى أبٍ أو معلّمٍ أو جماعة، ثمّ يُصرَف إلى الله لأنّ صاحبه لا يستطيع أن يصرفه إلى صاحبه. وتسميةُ الغضب باسمه نصفُ علاجه.
*وأين ينكسر*: قد يكون غضبُه على الحكم نفسِه لا على من طبّقه، فلا يكون في المسألة أبٌ ولا معلّم. فلا تفترض الجرحَ ولا تبحث عنه؛ من افترضه ولم يكن قال لصاحبه: اعتراضُك ليس اعتراضًا، وذاك أثقلُ من قولها صراحة.
٥. لا تناظره أمام الناس
الجمهورُ يجعل التراجعَ خسارةً اجتماعية، فتغلب صيانةُ الوجه على النظر في المسألة.
المثال: من طُلب منه أن يعتذر في اجتماعٍ فيه عشرون رجلًا اعتذر بلسانه وازداد تشبّثًا في نفسه. والكلمةُ في الطريق إلى البيت تفعل ما لا تفعله ساعةٌ على منبر.
٦. أعطِه وقتًا
ما بُني في سنواتٍ لا يُهدَم في جلسة. والذي بلغنا من سِيَر من مرّوا بهذا — وهو وصفٌ متكرّرٌ فيما نُقل إلينا، لا نتيجةَ دراسةٍ نُحيل عليها ولا نسوقه مساقَ الخبر المقيس — أنّ الطريق طويل: شكوكٌ أولى، فبحثٌ عن بدائل، فنقطةُ تحوّل، فبناءُ حياةٍ جديدة. وأكثرُ من تحاوره لم يقرّر شيئًا بعد.
المثال: من صبّ الخرسانة وطلب أن يبني عليها في الغد هدم البناء والخرسانة معًا.
وأربعُ عباراتٍ لا تُقال
| العبارة | لِمَ لا |
|---|---|
| «شبهةٌ قديمةٌ ردَّ عليها العلماء» | تُلغي سؤالَه وشخصَه معًا، ولا تجيب |
| «لو كنتَ مخلصًا لهُديت» | تجعل بقاءَ شكّه حكمًا أخلاقيًّا عليه |
| «أنت لا تريد الحقّ، تريد الشهوة» | حكمٌ على نيّةٍ لا تُرى، ولا سبيل لك إليه أصلًا — ومن ادّعى علمَ ما في الصدور ادّعى ما ليس له، فسقطت شهادتُه في غيره |
| «لا يوجد سؤالٌ ليس عندنا جوابُه» | وعدٌ لا يُوفّى، وأوّلُ موضعٍ يخالفه يُسقط ما سواه |
وكان في الصفّ الثالث «وهي غيرُ صحيحةٍ في أكثر الحالات»، فقال قارئٌ شاكّ: «أكثر» تعني أنّها صحيحةٌ في بعضها، فلم تُبطلوا التهمة بل نصحتم بتركها لأنّها لا تنفع. وسيجلس محاوري وفي ذهنه احتمالٌ معتبرٌ أنّي كاذب — وأنتم قلتم بأنفسكم إنّ الناس يشمّون ذلك. وهو محقّ، والعلّةُ أعمق من النسبة: نحن لا نملك أداةً نعرف بها نيّةَ أحد، فالنسبةُ نفسُها — قليلةً كانت أو كثيرة — دعوى لا سند لها عندنا.
ولا تحمل في يدك أداةً مكسورة
ثلاثةُ أشياءَ تُساق في هذه المجالس ولا تصمد:
١. «التفكيرُ التحليليّ يُضعف الإيمان». التجربةُ الشهيرة التي قيلت فيها (٢٠١٢) فشل تكرارُها في إعادةٍ مباشرةٍ مسبقةِ التسجيل على عيّنةٍ أكبر (٢٠١٧)، وعنوانُ الإعادة نفسِه يقول: «لا شاهدَ على أنّ التفكير التحليليّ يُنقص الاعتقاد الدينيّ». وانتبه: الإعادةُ لا تُثبت العكس — لا تقول إنّ التحليل يزيد الإيمان؛ تقول إنّ الدعوى الأصلية بلا سند. فلا تحملها ولا تحمل قلبَها.
٢. «العلمُ أثبت أنّ الدين وهمٌ دماغيّ». التفسيرُ النشوئيّ لأصل الاعتقاد عند باسكال بواييه لا يفصل في صدق المعتقد ولا كذبه بنصّه هو. والانتقالُ من «كيف نشأ» إلى «إذن هو باطل» مغالطةُ تكوين. ونظيرُها في جهتنا: من احتجّ بجهاز كشف الفاعلين على «الفطرة» يستعمل نظريةً صاحبُها — وهو مسيحيٌّ ملتزم — بنى كتابه على أنّها لا تُبطل المعتقد ولا تُثبته.
٣. «لا أخلاق ولا مجتمعَ بلا دين». لا تقلها. أرا نورنزايان، وأطروحتُه في دور الدين في التعاون، يخصّص فصلًا لمجتمعاتٍ علمانيةٍ بلغت التعاونَ نفسَه بمؤسّساتٍ بديلة. ومن قال هذه الجملة أمام رجلٍ يعرف جاره الملحدَ الأمينَ خسر الحديثَ كلَّه في سطر.
وإن كنتَ أنت الشاكّ: كيف تحاور من يؤمن
والقواعدُ هي هي معكوسة، ونكتبها لأنّ كتابًا يُدرّب جهةً واحدةً كتابُ تعبئةٍ لا كتابُ نظر:
١. ابدأ بالسؤال لا بالجواب. «ما الذي طمأنك أنت؟» تفتح. «هات دليلك» تُغلق. وستجد أنّ أكثرَ من تسأله لم يُسأل هذا السؤال قطُّ، وأنّ جوابه ليس الدليلَ الذي تتوقّعه.
٢. لا تُفزِعه. فَزَعُه سيجعل من سؤالك تهديدًا لبيته وأهله وموضعه بين الناس، لا مسألةً في المعرفة. وستُغلق الأبوابُ كلُّها في دقيقتين.
٣. واقبل منه «لا أعرف». فإن قالها فقد أعطاك أصدقَ ما عنده، ومن عاقب محاورَه على صدقه علّمه الكذب. وهذا أثقلُ ما في القسم عليك: أنت تريد جوابًا، وهو أعطاك حدَّ علمه.
٤. وافصل الدينَ عمّن يحسن ويسيء باسمه — بالقاعدة نفسِها التي طلبتَها لنفسك. فمن ردّ دعوى بأفعال أتباعها فقد وزن بالمعيار الذي أعلنّا نحن أنّه أضعفُ ما في الميزان، وهو أضعفُ في الجهتين.
٥. ولا تناظره أمام أهله. الجمهورُ يعمل عليك كما يعمل عليه، وأنت في مجلسه أظهرُ.
٦. وأعطِه وقتًا، ولا تقس الحديثَ بأنّه غيّر رأيه في جلسة. ومن قاسه بذلك استعمله أداةَ غلبة — وذاك بعينه ما نعيبه على أهلنا في أوّل الفصل.
وأربعُ عباراتٍ لا تُقال في هذه الجهة أيضًا: «هذه خرافةُ صحراء» (تلغي شخصَه)، و«لو فكّرتَ لتركت» (تجعل بقاءَه حكمًا على عقله، وهي أختُ «لو كنتَ مخلصًا لهُديت» حرفًا بحرف)، و«أنت خائفٌ من الموت لا مقتنع» (حكمٌ على نيّةٍ لا تُرى، وهي التهمةُ المقابلةُ سواءً بسواء)، و«العلمُ حسم هذا» (وعدٌ لا يُوفّى، وأوّلُ موضعٍ يخالفه يُسقط ما سواه).
وحدُّ هذا الفصل: هذه القواعد لا تُنتج اقتناعًا ولا تَعِد به. غايتُها أن تُبقي الحديثَ ممكنًا. ومن قاسها بأنّه أقنع أو لم يُقنع فقد استعملها أداةَ غلبة، والناس يشمّون ذلك أسرعَ ممّا يفحصون الحجّة.