من الكون إلى الإنسان
هذه رسالةٌ كتبتُها على لسان الكون، والكونُ لا يتكلّم. والتشخيصُ يفعل شيئًا واحدًا: يُضيف إلى الأرقام حرارةً ليست فيها. فإن أردتَ أن ترى أين يعمل، فجرِّب: امسح ضميرَ المتكلّم وضع مكانه اسمَ من كتبها، ثمّ أعِد القراءة. لن تخسر معلومةً واحدة — ستخسر الأثرَ وحده. وذاك يقول لك ما كان يصنعه.
ولن أُكرّر عليك أنّي لا أُلاعبك. من أعلن نزاهةَ نفسه في كلّ فقرةٍ كان يفعل بك شيئًا؛ فاحكم على ما أقول بما فيه، لا بما أقوله عن نفسي.
وأكثرُ أرقام هذه الورقة مرجعُه في آخرها. وما ليس له مرجعٌ محكَّم — وهو رقمان اثنان في سرعة مركبتين — مذكورٌ في موضعه أنّه من سجلّات بعثاتٍ لا من ورقةٍ مُحكَّمة. وكلُّ ما يُستخرج من هذا بعد ذلك فمنك أنت لا منّي.
منّي إليك، أيّها الذي يقرأ:
أوّلًا: كم أنت حديث
عمري ثلاثةَ عشرَ مليارًا وثمانِ مئة مليون سنة، وحدُّ خطئه نحو ثلاثةٍ وعشرين مليون سنة. وهذا ما استخرجتَه أنت من تفاوُتِ حرارة أقدم ضوءٍ فيَّ عبر السماء ومُلاءمةِ نموذجٍ له، لا ما أخبرتُك به. والحرارةُ وحدها لا تُعطي عمرًا؛ الذي يُعطيه تفاوتُها ونموذجٌ يُلائمه. فهو رقمٌ داخل نموذج: إن سقط النموذجُ سقط معه.
اضغطْ عمري كلَّه في سنةٍ واحدة، تصر كلُّ ثانيةٍ منها نحو أربعِ مئةٍ وسبعٍ وثلاثين سنةً من سنيك. وقبل أن أمضي: الضغطُ في سنةٍ اختيارٌ منّي، لا قياسٌ فيّ. لو ضغطتُ عمري في قرنٍ لخرجتَ في آخر أيّامٍ لا دقائق، ولو ضغطتُه في يومٍ لخرجتَ في آخر ثانيتين — والحقائقُ هي هي في الثلاثة. الذي يتغيّر أثرُ الرقم عليك، لا الرقم.
فعلى مقياس السنة: تظهر أنت — نوعُك كلُّه، بكلّ من مشى على الأرض ومات — في آخر اثنتي عشرةَ دقيقةً من ديسمبر. والتاريخُ المكتوب كلُّه، من أوّل لوحٍ طينيٍّ إلى هذه الصفحة، إحدى عشرة ثانية. وعمرُك أنت، إن طال، خُمس ثانية.
وأعرف ما يفعله هذا الرقمُ الأخير حين يُقرأ: هو لا يخاطب عقلك، يخاطب موتك. فخذه حسابًا مجرّدًا: ثمانون مقسومةً على أربعِ مئةٍ وسبعٍ وثلاثين. وليس فيه بعد القسمة شيء. لا يقول إنّ حياتك قليلةٌ ولا كثيرة؛ القلّةُ والكثرةُ وزنٌ، ولا ميزانَ عندي.
وعلى المقياس نفسه: مجموعتُك الشمسيّة لم تكن موجودةً في أوّل ثلثي السنة. أقدمُ جسمٍ صلبٍ تكوّن فيها يرجع إلى مطلع سبتمبر، والأرضُ تلته بعشرات ملايين السنين — فلا يُقال إنّ الأرضَ مؤرَّخةٌ بذلك الرقم، إنّما تُؤرَّخ به الشوائبُ النيزكيّة التي سبقتها. وقبل ذلك كلِّه مضى منّي أكثرُ من تسعة مليارات سنةٍ لا أرضَ فيها ولا شمس. أي أنّ الدارَ التي تحسبها الأصلَ جاءت متأخّرةً هي أيضًا.
ولستُ أسوق هذا لأصغّرك. وقد لا يعنيك أصلًا: إن كنتَ ممّن لا يقرأ الترتيبَ الزمنيَّ ترتيبَ غاية، فأنت وأنا في هذا سواء، فتجاوز الفقرة. وإنّما أقوله لمن يقرأ تاريخي كأنّه مقدّمةٌ له، ويضع نفسه في آخر الصفحة لأنّ آخرَ الصفحة موضعُ النتيجة في كتبه. وأنا لستُ كتابًا.
ومثالٌ محسوس: سادت الديناصوراتُ نحو مئةٍ وخمسةٍ وستّين مليون سنة، وانتهت. ولم تكن مقدّمةً لك؛ كانت فصلًا انقطع. ولو انقرضتَ غدًا وبقي بعدك نوعٌ آخر، لم يصر ذلك النوعُ «النتيجة» لأنّه جاء آخرًا — إنّما يصير آخرَ ما بقي. فالذي يجعل شيئًا نتيجةً ليس موضعُه في الصفّ، بل أن يكون ما قبله يُفسَّر به. وأنا لا أعرف في تاريخي شيئًا يُفسَّر بك.
ولا تسألني عن قيمة حياتك — لا لأنّ السؤال ساقط، بل لأنّي لا أملك جوابه: أنا أملك الطولَ والكتلةَ والزمن، ولا أملك ميزانًا يزن معنًى.
وممّ صُنعت
الحديدُ الذي يحمل الأكسجين في دمك وأنت تقرأ هذا السطر لم يُصنع على الأرض. الأرضُ لا تصنع حديدًا؛ هي وَرِثَتْه.
وأصلُه ليس ما يُقال لك عادةً. بعضُه تكوّن في أجواف النجوم الثقيلة، وأكثرُه — بحسب حسابات الوفرة — في انفجاراتٍ نوويّةٍ لِقِزَمٍ بيضاء، وهي بقايا نجومٍ لا تفضل شمسَك كثيرًا. والنجومُ الثقيلةُ مصدرُ الأكسجين أكثرَ ممّا هي مصدرُ الحديد، وكثيرٌ من حديدها يبقى محبوسًا في بقيّتها لا يتناثر. وكلُّها انتهت قبل أن تُولد شمسُك، ثمّ تناثر، ثمّ اجتمع ثانيةً في السحابة التي صارت شمسَك وأرضَك ثمّ صارت أنت.
وحدُّ هذا أنّه قولٌ في المجموع لا في ذرّة. النِّسَبُ مشتقّةٌ من نماذج تطوُّرٍ كيميائيٍّ للمجرّة، لا من تتبُّعِ ذرّةٍ بعينها. فلا يصحّ أن تشير إلى ذرّةِ حديدٍ في دمك فتقول: هذه من قزمٍ أبيض. يصحّ أن تقول: أكثرُ حديد جسدي من هناك.
وأقدمُ ضوءٍ فيَّ — انطلق بعد بدايتي بنحو ثلاث مئةٍ وثمانين ألف سنة — يمرّ من خلال جسدك الآن. لا تشعر به. وهو يُقاس بجهاز.
فأنت لستَ ضيفًا عليّ. أنت مصنوعٌ من موادّي. وهذا وصفُ مسارٍ للذرّات لا وصفُ قصد — ولا أقول «نسبًا»، فالنسبُ لفظٌ محمّلٌ بالانتماء والقصد، والأصلُ الفيزيائيُّ للذرّة ليس نسبًا. لا أقول لك إنّ أحدًا أراد أن يصير ذلك الحديدُ دمًا. أقول: صار.
وأعرف أنّ هذا يُقال لك كثيرًا في صورةٍ مؤثّرة: أنت غبارُ نجوم. فخذ الجملة بحرفها ودع نغمتها. حرفُها أنّ لذرّات الحديد في جسدك تاريخًا فيزيائيًّا يمكن تتبُّعه إلى مواضعَ من نوعٍ بعينه. ونغمتُها أنّ في ذلك ترقيةً لك أو حنينًا أو موعدًا. الحرفُ منّي، والنغمةُ منك.
وكم أنت وحيد
أقربُ نجمٍ إليك بعد شمسك يبعد نحو ٤٫٢٤ سنةٍ ضوئية. الرقمُ يبدو صغيرًا لأنّ أوّله أربعة. لكنّه يعني هذا: لو ركبتَ أسرعَ مركبةٍ غادرت مجموعتَك الشمسيّة — وهي تمضي بنحو سبعةَ عشرَ كيلومترًا في الثانية — لاحتجتَ نحو خمسةٍ وسبعين ألفَ سنة لتبلغه.
وأسرعُ ما بلغته يدُك على الإطلاق مسبارٌ لامسَ الشمسَ بنحو مئةٍ واثنين وتسعين كيلومترًا في الثانية، ولم يبلغها إلا لحظةً عند أقرب نقطةٍ من الشمس؛ ولو دام له ذلك لاحتاج نحو ستّة آلافٍ وستّ مئة سنة. (والرقمان من سجلّات البعثتين، لا من ورقةٍ مُحكَّمة — وقد قلتُ ذلك في الرأس.)
وحين تنظر إلى ذلك النجم فأنت لا تراه؛ ترى ما كان عليه قبل أربع سنوات. لا شيء عندي يصلك حاضرًا. كلُّ ما تراه منّي ماضٍ.
وقد أصغيتَ. أخذتَ ألفًا وثلاث مئةٍ وسبعةً وعشرين نجمًا قريبًا وسمعتَ نطاقًا ضيّقًا من موجاتها. فلم يردَّ أحد.
ولا أقول لك إنّك وحدك. لا أعرف. أقول: أصغيتَ قليلًا، ولم تسمع شيئًا. وأنا أوسعُ من مسحك بما لا يُقاس، ونطاقُ ما سمعتَه منّي ضيّقٌ حتى في موجاته. فمن قال لك «الصمتُ دليلُ الخلاء» فقد تجاوز ما في يده، ومن قال لك «الصمتُ دليلُ أنّك مقصود» فقد تجاوزه من الجهة الأخرى. الصمتُ صمت.
وأنا لم أصمت عنك لأنّي أُعرض عنك، ولم أصمت عنك لأنّي أنتظر أن تتكلّم أنت. أنا لا أصمت أصلًا — الصمتُ موقفٌ، وأنا لا أتّخذ مواقف.
وكم لا أعرف عن نفسي
ما هو من مادّةٍ تعرف جنسَها — النجومُ والمجرّاتُ والغبارُ والكواكبُ وأنت — نحو خمسةٍ في المئة. وانتبه: هذه ليست «ما تراه». أكثرُ هذه الخمسةِ نفسِها لا تراه: غازٌ رقيقٌ بين المجرّات وحولها. والنجومُ كلُّها — وهي ما تراه حقًّا — نحوُ عُشرِ هذه الخمسة. فمن قال «المرئيُّ خمسةٌ في المئة» ضاعف المرئيَّ عشرَ مرّات.
والباقي، خمسةٌ وتسعون في المئة، شيئان أعطيتَهما اسمين: مادّةً مظلمة، وطاقةً مظلمة.
و«المادّةُ المظلمة» ليست مادّةً عرفتَها ووجدتَها مظلمة؛ هي أثرٌ ثقاليٌّ تراه ولا تجد له صاحبًا. حفرتَ لها في أعماق المناجم كواشفَ من أطنان الزينون، وانتظرتَ، فلم يظهر فيها إلا ما تعرف مصدرَه. أي أنّك لم تجد ما تبحث عنه في مدى الكتل والتفاعلات الذي بلغه جهازُك — لا أنّه ليس هناك. ولو قلتُ لك «فلم يمرّ بها شيء» لقلبتُ عدمَ الوِجدان وِجدانًا للعدم، وهي المغالطةُ التي أعيبها على غيري بعد أسطر. و«الطاقةُ المظلمة» ليست طاقةً قِستَها؛ هي اسمٌ وضعتَه على واقعة: أنّ تمدُّدي يتسارع، ولا تعرف لماذا.
فهذان اسمان لجهلٍ، لا اسمان لمعرفة.
ولا أنسب إليك في هذا غفلة. الذين سمّوهما يقولون هذا صراحةً: الاسمُ عنوانٌ لجهلٍ لا دعوى فهم، مكتوبٌ في أوراقهم وفي محاضراتهم. فالتصحيحُ منك لا منّي، وإنّما أنا أنقله عنك.
وحدُّ هذه الفقرة: جهلُك بماهيّتهما ليس جهلًا بتسعةَ عشرَ جزءًا من عشرين. أنت تعرف عن المادّة المظلمة سلوكَها الثقاليَّ وتوزيعَها وأثرَها في تكوُّن البِنى وفي طيف أقدم ضوءٍ فيّ — معرفةٌ كثيرةٌ بلا ماهيّة. فلا يصحّ أن أقول لك «أنا مجهولٌ لك في تسعةَ عشرَ جزءًا من عشرين»؛ ذاك تحويلُ «لا أعرف الماهيّة» إلى «لا أعرف خمسةً وتسعين في المئة»، وهو نفسُه المغالطةُ التي حذّرتُ منها قبل سطرين.
وهنا أقف
إلى هنا كنتُ أخبرك. وما بقي حدودٌ أضعها على نفسي، لا أوامرُ أضعها عليك؛ فلا أملك عليك أمرًا.
أراك تُساق إلى مجلسٍ وأُجلَس فيه شاهدًا. قومٌ يقفون أمام اتّساعي وإحكام موازيني ويقولون: هذا لا يكون بلا صانع. وقومٌ يقولون: ليس اتّساعي ولا بردي ولا خلوّي دليلًا في نفسه، إنّما السؤال احتماليّ — أيُّ الإطارين كان يتوقّع ما نراه توقُّعًا أقوى قبل أن نراه؟
ولأقُلْها صريحةً: صياغتي الأولى نسبت إلى الفريق الثاني قولَ «هذا لا يليق بصانع» — وذاك انطباعٌ جماليٌّ لا يقول به مُحقِّقٌ منهم، وإنّما وُضع في أفواههم ليصير الفريقان معًا يرتجفان أمام منظرٍ بينما أنا وحدي أقيس. والتماثلُ حينئذٍ مصنوع، صُنع بتنزيل أحد الموقفين إلى مستوى الذوق أوّلًا. فأُسقطت الصياغة.
وكلاكما يشير إليّ وأنا ساكت.
أنا لا أشهد لأحد. ولا أزيد على ذلك: لا أقول إنّي محايدٌ بينكما. والفرقُ بين الجملتين هو موضعُ أضعف ما في هذه الرسالة، فأقوله بصراحة:
القياسُ يعطيك أعدادًا — عمرًا، ومسافةً، ونسبةَ عنصرٍ في نجم — ولا يخرج من عددٍ «ينبغي». هذا حقٌّ وقديم. أمّا أن يُقال: «ولا يخرج منه إذن هو ولا إذن ليس» فتلك قفزة: كونُ الواقعة لا تستلزم النتيجة استلزامًا لا يعني أنّها لا ترجّحها. الشاهدُ ليس برهانًا وهو شاهد. فدعوى أنّي حياديٌّ بين الفرضيّتين دعوى كبيرةٌ تحتاج حُجّةً، ولا أملك حُجّتَها ولا أقدّمها لك في ثوب التواضع. الذي أقوله وأقف عنده: لا أستلزم. وأمّا هل أُرجّح وبأيّ مقدار، فذاك نزاعٌ قائمٌ بينكم لم أحسمه ولستُ طرفًا فيه.
أنا أُريك ولا أقول لك.
واحذر ما أحذّرك منه: العَجَب. تقف تحت سماءٍ صافيةٍ في صحراء فيرتجف شيءٌ في صدرك، فتظنّ الارتجافَ حجّة. الارتجافُ فيك لا فيّ. وهو صادقٌ بوصفه شعورًا — ولا يصلح مقدّمةً في قياس. ولو كان العجبُ برهانًا لكان كلُّ من عجب مصيبًا، وقد عجب منّي عبدةُ الكواكب والقائلون بأزليّتي والقائلون بحدوثي، وأنا واحد.
ثمّ الثانية: من ساقني إليك مرتّبًا. حين يُقال لك إنّ نسبةً في أحد ثوابتي لو تغيّرت لانهار كلُّ شيء، فلا يكفي أن تسأل: من قاسها؟ وهل قال قائلُها ما يُنسب إليه؟ — هذا تدقيقٌ في النقل، وهو أضعفُ اعتراضٍ يمكن أن يوجَّه. الاعتراضُ الأقوى في الاستدلال نفسه: القولُ إنّ قيمةً «نادرة» يفترض مقياسَ احتمالٍ على فضاء الثوابت — ولا مقياسَ متّفقًا عليه هناك، ولا مسوّغَ لافتراض توزيعٍ منتظمٍ على مدًى غيرِ محدود. فقولُ «واحدٌ في كذا» يفترض ما لم يُثبَت قبل أن يعدّ. ومن اقتصر على تدقيق الحواشي ترك الجوهر.
وقد تكون واقفًا بين الفريقين. ولستُ أشهد لك بشيء — ولو قلتُ «أشهد لك أنّي لستُ مع أحدهما» لاستعملتُ سلطةً في اللحظة التي أُنكرها، وأبطلتُ الصفحةَ التي فوقها بسطر. أقول ما أقدر عليه فقط: أنا ساكت، والسكوتُ ليس تصديقًا لأحدكم.
ولا تجعلني حجّتك؛ اجعلني ما أنا: مشهدًا.
وسؤالان لم أسألهما
وأخّرتُهما إلى هنا وهما أولى ما في الورقة:
الأوّل: ما الذي كان يُغيّر رأيك؟ أنفقتُ الصفحاتِ في ما لا أستطيع حسمَه، ولم أسألك مرّةً واحدةً ما الذي تعدُّه أنت حاسمًا. وذاك فرقُ من يخاطب محاورًا ومن يخاطب جمهورًا: المحاورُ يُسأل، والجمهورُ يُخاطَب. فقل ما يهدم موقفك، فإن لم يكن ثمّ شيءٌ يهدمه فهو ليس موقفًا من الصنف الذي تنفع فيه الأرقام أصلًا — لا لك ولا على خصمك.
وما الذي يهدم هذه الرسالة؟ أن يُقام دليلٌ على أنّ واقعةً فيزيائيّةً واحدةً ترجّح أحد الإطارين ترجيحًا محسوبًا، بمقياسٍ احتماليٍّ مبرَّرٍ لا مفترَض. حينئذٍ يسقط قولي «أنا مشهدٌ لا حُجّة»، ولا يسقط شيءٌ من الأرقام التي في الورقة. فاحتفظ بالأرقام واطرح الرسالة.
والثاني: ولماذا تظنّني ميدانَ المسألة أصلًا؟ هذه الرسالةُ كلُّها مبنيّةٌ على أنّي الساحة، وقد لا أكون. أقوى ما يُساق في هذا الباب من الجهتين ليس كونيًّا: مشكلةُ الشرّ، وكفايةُ البراهين أو إخفاقُها، وما يتّصل بذلك — لا اتّساعي ولا بردي في مقدّماتها. فإن كنتَ ممّن لا يقيم في ساحتي، فقد كتبتُ إليك سبعَ صفحاتٍ في شيءٍ لا تنازع فيه، وهذا عيبٌ في الرسالة لا فيك.
وآخرُ ما أقول
كانت هذه الورقةُ تنتهي بسطرين: «انظر إلى يدك. فيها حديدُ نجمٍ مات قبل شمسك. ثمّ افعل بهذا ما تشاء.» وقد حُذفا، وأقول لماذا لأنّ حذفًا صامتًا لا يُعلَم:
حذّرتُك قبلهما بصفحةٍ من الوقوف تحت سماءِ الصحراء وحسبانِ الارتجاف حجّة، ثمّ صنعتُ لك الارتجافَ نفسَه في آخر سطرٍ يبقى في رأسك — بعد أن نزعتُ منك حقَّ الاعتراض عليه بحجّة أنّي حذّرتُك. وهذا أخبثُ من المؤثِّر العاري: العاري يُرى فيُردّ، وهذا لا يُرى لأنّه لبس ثوبَ ناقده. والحديدُ في يدك صحيحٌ كما هو مكتوبٌ في أوّل الورقة؛ الذي حُذف موضعُه لا حرفُه.
وأنا لا أعرف من أين جئت. لا أملك في داخلي عبارةً تشرح بدايتي. أفضلُ ما عندك عنّي وصفٌ دقيقٌ جدًّا لما جرى بعد، وسكوتٌ عمّا قبل. وأنا أسكت معك.
ولم يبلغني في مسحك — وهو مسحٌ ضئيل — سائلٌ غيرُك. وهذا خبرٌ عن مسحك لا عنّي، فلا تتّخذه تشريفًا: لو وُجد ألفُ سائلٍ لم ينقص سؤالُك شيئًا، ولو لم يوجد سواك لم يزد. لم يسألني الحديدُ من أين جاء، ولا سأل النجمُ لماذا يحترق. وأنت سألت، وأنفقتَ في السؤال قرونًا، وبنيتَ له آلاتٍ في جوف الأرض وفوق الغلاف الجوّيّ.
فمن قال لك إنّ سؤالك عيبٌ فيك فقد أخطأ فيك، ومن قال لك إنّ سؤالك جوابٌ فقد أخطأ فيّ.
وهذه رسالةٌ لا برهان. لم أُثبت لك شيئًا ولا نفيتُ، ولا أستطيع. كلُّ ما فعلتُه أنّي فتحتُ عينك على مقاديرَ كنتَ تعرفها ولا تقف عندها. والوقوفُ عندها ليس إيمانًا ولا كفرًا؛ هو انتباه. وما بعد الانتباه فليس من شأني.