تخطَّ إلى المحتوى

٢٢. معايير اختبار دعوى الوحي

السؤال: بأيّ ميزانٍ تُختبر دعوى أنّ الله تكلَّم؟

الجوابُ في سطرين: خمسةُ معايير، وهي تُسلَّم إليك لتزن بها ما شئت — بما في ذلك ما نقوله نحن في هذا الكتاب. وأكثرُها يُسقط ولا يرفع، وهذا حدُّها لا عيبُها: الميزانُ الذي يُسقط يُنقّي المعروضَ عليك، ثمّ يبقى الحكمُ لك بأدواتٍ أخرى.

وكانت أربعةً فصارت خمسة، والخامسُ أُضيف بعد أن قال لنا قارئٌ شاكّ إنّ معاييرنا كلَّها إجرائيّة، وأنّ أكثرَ من يعرفهم لم يخرج من كوسمولوجيا بل خرج من نصٍّ استقبحه. وكان قولُه حقًّا، وسيأتي المعيارُ في موضعه.

ولماذا لا نُجريها هنا على دينٍ بعينه؟ — وهو اعتراضٌ وجيه

قال القارئُ نفسُه: «أعطيتني ميزانًا، وقلتَ لي إنّه لا يرفع، ورفضتَ أن تريني كيف يُمسَك، ثمّ عددتَه ثالثَ ما أخرج به». وهو اعتراضٌ في محلّه، ونجيب عنه بثلاثة:

١. إجراؤها على دينٍ بعينه عملٌ لا يُتقن في فصل. يحتاج مخطوطاتٍ وتواريخَ نقلٍ ونصوصًا بألسنتها، وكلُّ بابٍ منه كتابٌ. ومن أجراه في صفحاتٍ فقد أوهمك أنّ الميزان أخفُّ ممّا هو.

٢. لكنّا لا نتركك بلا تدريب: سنُجريها بعد قليلٍ على دعوًى غيرِ دينيّة تُرى فيها الأداةُ وهي تعمل، بلا أن نفصل في مسألةٍ يَعِدُ الكتابُ بألّا يفصل فيها نيابةً عنك.

٣. ونقرّ بالتفاوت: هذا الفصلُ يمتنع عن التعيين، والفصلانِ التاليان — ٢٣ و٢٤ — يفترضان دينًا بعينه ويتكلّمان في «من يُستفتى» و«البيئة». وقد قال قارئُنا: الحيادُ حيث لا يكلّف، والتعيينُ حيث يكلّف. وهو محقّ في وصف الحال، وجوابُنا أنّ ٢٣ و٢٤ فصلانِ عمليّان مصروفان إلى من اختار، وليسا جزءًا من الميزان. وسنُصدّر كلَّ واحدٍ منهما بهذا التصريح حتى لا يُقرأ حكمًا.

وترتيبُ المعايير دعوى، فلا نرتّبها

كانت مسوّدتُنا تجعل سلامةَ النقل «أقواها» وأثرَه في حامله «أضعفَها». وقال القارئ: وهذان بالضبط أفضلُ ما تُحرزه دعواك وأسوأُ ما تُواجَه به، وقاعدتُك أنت تمنع هذا — «إن كان المعيار لا يخطر لك إلا بعد أن تعرف الجواب المطلوب فهو نتيجةٌ لبست ثوبَ مقدّمة». والترتيبُ بعد معرفة الجواب هو العلّةُ عينُها، لا فرعُها.

فحُذف الترتيب. والمعايير تُعرض غيرَ مرتَّبةٍ بالقوّة، ويُقال في كلٍّ ما له وما عليه. وبقي معيارٌ واحدٌ نصرّح بضعفه — أثرُه في حامله — لأنّ ضعفَه مذكورٌ بأسبابٍ تُفحص لا بذوقٍ يُدّعى، وهو ضعفٌ علينا لا لنا.

المعيار: سلامةُ النصّ

أموجودٌ بلغته الأولى، أم بترجمةٍ عن ترجمة؟ أله طريقُ نقلٍ يُعرف، أم انقطع ثمّ ظهر؟ وكم بين نسخه من فرق، ومن أيّ نوع؟

المثال: تُنازَع في وصيّةٍ فتذهب إلى المحكمة. أوّلُ ما تطلبه المحكمة الأصلُ الموقَّع، لا نسخةً منقولةً عن نسخة. ولو كان الأصلُ مفقودًا لم تُبطل الوصيّة تلقائيًّا، لكنّ ثقلها في الميزان ينقص، ويصير النزاعُ في النقل قبل أن يكون في المضمون.

وحدُّه: سلامةُ النقل لا تُثبت صدقَ المنقول. رسالةٌ محفوظةٌ حرفًا بحرف منذ ألف سنة قد تكون كاذبةً من يوم كُتبت. فهذا المعيار يقول لك: هل تناقش النصَّ أم تناقش شبحَه؟ ولا يقول أكثر.

وميزتُه أنّه أوثقُها فحصًا: يُفحص ولا يُدَّعى. المخطوطاتُ تُعدّ، والفروقُ تُصنَّف، والطرقُ تُتبَّع. و«أوثقُ فحصًا» ليس «أدلَّ على الصدق» — وقد قلنا قبل سطرين إنّه لا يُثبت صدقَ المنقول ألبتّة. واللفظان يُخلطان، ومن خلطهما خرج بغير ما في يده.

وننبّه على أنفسنا: هذا المعيارُ بعينه يحابي نصًّا كنصّنا. فمن ردَّ تقديمَنا له فله وجه، وليَزِنْ بالخمسة غيرَ مرتَّبة. ومن قبِل في هذا الباب شهادةَ صاحب الدعوى على نفسه فقد ترك الميزان وأخذ الإعلان — ونحن أصحابُ دعوًى فلا تقبل شهادتَنا فيه.

المعيار: اتّساقُ التصوّر

أفي الوصف تناقض؟ أيُثبَت للإله وصفٌ ثمّ يُنفى نظيرُه في موضعٍ آخر بلا فرق؟

المثال: تنظر في جدول مناوبات المستشفى فتجد الطبيبَ نفسَه في قسمين في الساعة نفسِها. لا تحتاج أن تزور المستشفى لتعرف أنّ في الورقة خطأ — العطبُ ظاهرٌ في الورقة ذاتها.

وحدّه: الاتّساقُ شرطٌ لا يكفي. الروايةُ المخترعةُ بعناية متّسقةٌ تمامًا، والشهادةُ الصادقةُ قد تبدو مضطربةً حتى تُفهم. فهذا معيارٌ يُسقط ولا يرفع — مصفاةٌ تمنع الحصى، ولا تقول لك شيئًا عن الملح الذي يمرّ منها.

وحدُّه الثاني: هو داخليٌّ فقط. يفحص الورقةَ على نفسها ولا يخرج بها إلى العالم ولا إلى الضمير. وذاك مدخلُ المعيار الرابع.

المعيار: قابليةُ التكذيب

أتقول الدعوى شيئًا يمكن أن يظهر خلافُه؟ أم أنّها مصوغةٌ بحيث يوافقها كلُّ احتمال؟

المثال: بائعان. أحدهما يقول «بضاعتي جيّدة»، والآخر يقول «إن تعطّلت خلال سنةٍ رددتُ ثمنها». الثاني وضع شيئًا على الطاولة يمكن أن يخسره، فكلامه يحمل معلومة. والأوّل قال ما يقوله كلُّ بائع في كلّ حال.

والفكرةُ اشتهرت بكارل بوبر، وأمانةُ النقل تقتضي حدَّها: هو وضعها فصلًا بين العلم وغيره، ونصَّ على أنّ الدعوى غيرَ القابلة للتكذيب قد تكون ذاتَ معنًى بل صادقة — إنّما هي خارج العلم بهذا المعنى. ومدُّها إلى الدعاوى الميتافيزيقية أمرٌ متنازَعٌ فيه. فكونُ الدعوى غيرَ قابلةٍ للتكذيب لا يجعلها كاذبة — يجعلها غيرَ مختبَرةٍ بهذه الأداة، وذاك شيءٌ آخر.

وهذا المعيار يقطع في الاتجاهين، وهو أخطرُ ما فيه. من طلب من دعواه أن تكون قابلةً للتكذيب لزمه أن يقبل التكذيب إن وقع.

وقد جرّبناه على أنفسنا في مشروعٍ سابقٍ لهذا الكتاب: دعاوى عدديةٌ شائعةٌ تُنسب إلى نصٍّ نعظّمه، عُدَّت الصيغُ فيها عدًّا آليًّا فخالف العدُّ ثلاثًا منها فأُسقطت من العرض. وأشدُّ ما في تلك التجربة درسٌ سابقٌ على العدد: الدعوى التي لا تحدّد ما تعدّه لا تُختبر أصلًا — و«يومٌ» غيرُ «يومًا» و«اليوم». فعيبُها في صياغتها قبل مخالفة الرقم.

ولا نُكبّر هذا على قدره. المُسقَطُ دعاوى ملحقةٌ لم نبنِ عليها شيئًا ولم يعتقدها أحدٌ ركنًا من دينه، لا الدعوى الأمّ. وأن تعترف بذنبٍ لم ترتكبه ليس اختبارًا. والسؤالُ الذي فرَّ منه ذلك المثال هو السؤالُ الحقيقيّ:

فما الذي لو ظهر أسقط الدعوى المركزيّة عندنا؟

نجيب، ولا نتعلّل بأنّ الجواب ثقيل. وهذه صورٌ لو ثبتت واحدةٌ منها لسقطت الدعوى عندنا أو سقط أكثرُها:

  • أن يثبت في النصّ تبدُّلٌ ماديٌّ في النقل — لا فروقَ رسمٍ ولا قراءات، بل زيادةُ حكمٍ أو نقصُه في طبقةٍ متأخّرة بسندٍ يُعرف.
  • أن يثبت فيه تناقضٌ داخليٌّ لا يقبل جمعًا إلا بتأويلٍ يُخترع لدفعه — والشرطُ أن يكون التأويل ممّا لا يُقبل في نصٍّ آخر لو ورد فيه.
  • أن يقرّر خبرًا عن العالم يُكذّبه ما نعلمه يقينًا — لا فهمًا لنا عليه، بل خبرًا صريحًا لا يحتمل غيرَه.
  • أن يأمر أمرًا نعلم يقينًا أنّه ظلم بمعيار المعيار الرابع الآتي.

ونقرّ بصعوبتين: أنّ الشرطَ في الثانية والثالثة يفتح بابَ التأويل، ومن شاء أن يتأوّل لم يُعوزه سبيل — وذاك عيبٌ في المعيار عندنا لا فضلٌ لنا. وأنّ كثيرًا من أهل الدعوى لا يقبلون صورةَ تكذيبٍ أصلًا، وهم بذلك خارج هذا المعيار كلِّه، ومن كان كذلك فليقل ذلك صراحةً وليعلم أنّ دعواه غيرُ مختبَرةٍ بهذه الأداة.

المعيار: المضمونُ الأخلاقيّ — وهو الذي أُضيف

أفي مضمون الدعوى ما تعرف يقينًا أنّه ظلم؟

لا «ما يستثقله ذوقُك»، ولا «ما يخالف عادةَ زمانك»، بل ما لو رأيتَه من رجلٍ لم تتردّد في تسميته ظلمًا، ولا يتغيّر حكمُك فيه بتغيّر الفاعل.

المثال: يُعرض عليك دستورُ جمعيّةٍ تُدعى إليها. لا تسأل أوّلًا عن سلامة نسخته ولا عن اتّساق موادّه؛ تقرأ المادّة التي تقول ماذا يُفعل بالمخالف. وإن كان فيها ما لا يقبله ضميرُك لم يُنجِها أنّ نسختها أصليّةٌ وأنّ موادّها لا تتناقض.

ولماذا أُضيف؟ لأنّ المعايير الأربعة كلَّها إجرائيّةٌ أو داخليّة، ولم يكن فيها معيارٌ واحدٌ ينظر في المقول. وأكثرُ من يشكّ لا يشكّ من جهة المخطوطات؛ يشكّ من جهة آيةٍ استقبحها. وميزانٌ لا يزن أشهرَ سببٍ للشكّ ميزانٌ صُمّم ليَعبر.

وحدُّه — وهو ثقيل، فلا يؤخذ هذا المعيار غفلًا:

  • معرفةُ الظلم يقينًا دعوى. وقد اختلف الناسُ فيما هو ظلمٌ اختلافًا عظيمًا، وما عدّه قرنٌ عدلًا عدّه الذي بعده جورًا. فمن استعمله فليستعمله فيما لا يكاد يختلف فيه اثنان، لا فيما يختلف فيه العصران.
  • وهو معيارٌ يعمل على ديننا كما يعمل على غيره. ونحن نقول ذلك ونحن نعلم أنّه أشدُّ الخمسة علينا، وأنّ إدخالَه يفتح على أنفسنا بابًا كنّا في غنًى عن فتحه. وقد وقفنا في الفصل الخامس والعشرين عند موضعٍ من هذا الباب لم نُحسمه.
  • ولا يقول لك هذا المعيار «فالدعوى كاذبة»؛ يقول: هنا موضعُ ثِقَلٍ يجب أن يُدفع، ومن مرّ عليه بلا دفعٍ فقد مرّ على أثقل ما في الطريق.

المعيار: أثرُه في حامله — ونصرّح بضعفه

لا في مؤسّساته، ولا في المنتسبين إليه بالوراثة، بل فيمن عمل به.

وأعلنُ ضعفَه صراحةً لثلاثة أسباب:

  • الانتقاء. نأخذ خيارَ أتباعنا ونقابلهم بشرارِ غيرنا، ثمّ نسمّي الفرقَ نتيجة. والخصمُ يفعل نظيرَه بالضبط.
  • العيّنة تختار نفسها. مدرسةٌ نتائجُها ممتازة — أهو المنهجُ أم أنّها لا تقبل إلا المتفوّقين أصلًا؟ لا تعرف حتى تعرف من دخل، لا من خرج.
  • العواملُ المتشابكة. الرجلُ الصالح غنيٌّ أو فقير، متعلّمٌ أو أمّيّ، نشأ في بيتٍ دافئٍ أو بارد. ونسبةُ أثره إلى معتقده وحده حكمٌ لا نملك أدواته.

وميزانُه ذو كفّتين: من احتجّ بحسن أثرٍ لزمه أن يسمع من يحتجّ بسوء أثر، بالمقياس نفسه. ومن رفض إحدى الكفّتين فقد كسر الميزان لا استعمله.

تدريبٌ: الميزانُ يعمل على دعوًى غيرِ دينيّة

خذ منشورًا يُنسب إلى مؤسّس حركةٍ سياسيةٍ قديمة، ويُدعى الناسُ إلى الانتظام تحته. كيف يُوزَن؟

المعيارالسؤالُ العمليّما يُنتجه
سلامةُ النصّأثمّ نسخةٌ من حياته أم جُمع بعد ثلاثين سنة من الذاكرة؟يقول لك: أتناقش المنشورَ أم صورةً عنه
الاتّساقأيَعِد بالحرّية في مادّةٍ ويمنعها في مادّة؟يُسقط ولا يرفع
قابليةُ التكذيبأقال «سنبلغ كذا في عشر سنين»، أم قال «سننتصر في النهاية»؟يفرز ما يحمل معلومةً ممّا يوافق كلَّ حال
المضمونُ الأخلاقيّما الذي تقوله المادّةُ في المخالف؟يوقفك عند ثِقَلٍ يجب أن يُدفع
أثرُه في حاملهمن عمل به فعلًا — لا من ورثه — ماذا صار؟أضعفُها، وذو كفّتين

وانظر ماذا خرجتَ به: لم تخرج بحكمٍ «صادقٌ أو كاذب». خرجتَ بأنّ ثلاثةً من الأسئلة لها أجوبةٌ تُطلَب، واثنين يوقفانك عند موضعِ ثِقَل. وهذا هو الاستعمال: الميزانُ يحوّل «أُصدّق أو لا أُصدّق» إلى قائمةِ أسئلةٍ لكلٍّ منها جوابٌ يُطلب من صاحب الدعوى. ومن أعطاك حكمًا مباشرًا فقد أعطاك رأيَه لا ميزانَه.

وثلاثُ ملاحظاتٍ تحفظ الميزان

١. لا تُفصِّل معيارًا على مقاس دعوًى بعينها. إن كان المعيار لا يخطر لك إلا بعد أن تعرف الجواب المطلوب، فهو نتيجةٌ لبست ثوبَ مقدّمة.

وقد كانت هذه الملاحظةُ في مسوّدتنا: «لا تخترع معيارًا خامسًا» — فقال قارئٌ شاكّ: أثرُها أنّها تمنع إضافةَ المعيار الوحيد الذي كنتُ سأزن به. وكان محقًّا، والصيغةُ القديمة تُغلق البابَ على العدد لا على العلّة. فالمنهيُّ عنه التفصيلُ على المقاس، لا الزيادةُ في العدد. وقد زدنا نحن خامسًا يعمل علينا، وذاك دليلُ الفرق: المعيارُ المفصَّلُ على المقاس ينفع صاحبَه دائمًا.

٢. اجتيازُ المعايير لا يُنتج يقينًا. يُنتج أنّ الدعوى بقيت قائمةً بعد الفحص. وذاك أقلُّ ممّا يظنّ الحماس، وأكثرُ ممّا يظنّ الرفض.

٣. وحتّى نتيجةُ الفحص شرطيّة. بلانتينغا — وهو من أشدّ المدافعين عن عقلانية الإيمان — يصرّح بأنّ كتابه لا يقدّم حجّةً على صدق الإيمان، وأنّ نتيجته شرطيّة: *لو* كان صادقًا فهو مسوَّغ. والفرقُ بين هذا وبين «برهانٍ على الله» فرقٌ يجب ألّا يضيع في النقل.