تخطَّ إلى المحتوى

٢١. الصمتُ: أدعوًى هو أم توقُّف؟

السؤال: رجلٌ يقول: أُقرّ بخالق، وأُنكر أن يكون تكلَّم. فما الذي يلزمه؟

الجوابُ في سطرين: يلزمه ما يلزمه بقدر ما ادّعى، لا أكثر. فمن قال «خلق ثمّ صمت» ادّعى دعوى على فعلِ من قيل إنّه خلق، والدعوى تُسأل عن سندها. ومن قال «لم يثبت عندي» لم يدّعِ شيئًا، وعبؤه أخفُّ كثيرًا — وأكثرُ من نخاطبهم من هذا الصنف الثاني، فليس هذا فصلًا يُلزمهم شيئًا.

وعنوانُ هذا الفصل كان في مسوّدتنا «لماذا لا يليق الصمت؟» فغيّرناه، لأنّ قارئًا شاكًّا قرأه فقال: العنوانُ يَعِد بدفعٍ لا يدفعه المتن. وكان محقًّا: ستقرأ بعد قليلٍ أنّنا نسلّم بثلاثٍ من دعائم خصمنا الأربع ونؤجّل الرابعة. وعنوانٌ يَعِد بغلبةٍ ثمّ يُسلّم ثلاثةَ أرباع الميدان عنوانٌ يكذب على قارئه، ولو كان متنُه صادقًا.

أوّلًا: الموقفُ بأقوى صيغةٍ يعرفها أهلُه

ومن أضعفَ هذا الموقفَ ليغلبه فقد غلب صنعةَ يديه. وأقواه أربعُ دعائم:

١. الدليلُ لا يبلغ متكلِّمًا. غايةُ الناجح من أدلّة وجود الله موجودٌ رقيقُ الأوصاف: واجبُ وجودٍ، أو مصمِّمٌ، أو عقلٌ أوّل. والانتقالُ من ذلك إلى نبوّةٍ وشريعةٍ وكتابٍ نقلةٌ من جنسٍ آخر تحتاج أدلّةً من جنسٍ آخر. فمن وقف هنا وقف حيث انتهى دليلُه — وذاك انضباطٌ لا تهرّب.

٢. تعارضُ الدعاوى. دعاوى الوحي كثيرةٌ متناقضة، وكلُّ صاحبِ دعوًى يعرض من الشواهد ما يعرض الآخر. وليس هذا اعتراضَ خصمٍ فحسب: وليم ألستون، وهو مؤمنٌ كتب أوسعَ دفاعٍ فلسفيٍّ عن التجربة الدينية، يعترف أنّ التعدّد الدينيّ مشكلةٌ لم يحلَّها ويسمّيه صعوبةً حقيقيةً في موقفه هو.

٣. الخفاء. وليست الدعوى «لو وُجد لظهر» — تلك صيغةٌ ضعيفةٌ يسهل ردُّها، ومن نسبها إلى شيلينبرغ لم يقرأه. الدعوى أدقُّ: الحبُّ الكامل يقتضي انفتاحًا دائمًا على علاقة، والعلاقةُ تستلزم أن يعتقد الطرفُ بوجود الآخر، فوجودُ غير المقاوِم — الذي لا يصدّ ولا يعاند ثمّ لا يعتقد — ينقض ذلك. وهي مصوغةٌ صياغةً منضبطة، وموضعُها البابُ الأخير من هذا النصيب لأنّها لم تُحسم. ولا نُخفي أنّ الربوبيَّ يستطيع أن يستعملها لصالحه: هو لا يدّعي إلهًا كاملَ الحبّ يطلب علاقة، فحجّةُ الخفاء لا تمسّه وتمسّنا نحن.

٤. لا حاجة. الكاملُ لا يفتقر إلى مخاطبة، والمخلوقُ أُعطي عقلًا وتجربةً وحياةً مشتركة. فأيُّ عملٍ يقوم به الكلامُ لم يقم به ما أُعطي؟

ثانيًا: أين يقف الإنصاف — ومعنى «الحالِ الواحدة»

الدعامةُ الأولى صحيحة، ونحن نقولها في هذا الكتاب قبل أن يقولها علينا أحد: لا واحدَ من أدلّة الوجود يُنتج دينًا بعينه. ومن قفز من «ثمّ علّةٌ أولى» إلى «فهذا كتابي» فقد أوهم قارئَه أنّ البرهان يحمل ما لا يحمل.

وغراهام أوبي — وهو ملحد — يقرّر أنّ حجج الإلحاد لا تنجح أيضًا، بمعنى إلزامِ الخصم العقلانيّ. فالحالُ في الجهتين واحدةٌ في هذا المعنى وحده: لا حجّةَ تُلزم ههنا ولا هناك.

وههنا موضعُ غلطٍ وقعنا فيه في مسوّدةٍ سابقة، ونصحّحه في المتن لا في الحاشية: أوبي لا يقول إنّ الكفّتين متساويتان. هو يرى الطبيعانيّة متقدّمةً في الفضائل النظرية — بساطةً وقلّةَ التزاماتٍ أنطولوجية — أي إنّه يرجّح موقفَه هو وإن لم يدّعِ برهانًا عليه. فتعذُّرُ الإلزام غيرُ تساوي الكفّتين، ومن قرأ أوبي «تعادلًا في الأدلّة» نسب إليه غيرَ أطروحته. وحاشيتُنا عليه كانت أدقَّ من متنِنا، والمتنُ هو الذي يُقرأ.

فالذي نأخذه من أوبي أنّ من طلب من هذا الباب برهانًا يُلزم كلَّ عاقلٍ فقد طلب ما لا يُعطاه أحدُ الفريقين. وأمّا أيُّ الكفّتين أرجحُ عنده فقد قالها، وهي علينا لا لنا.

ثالثًا: موقفان يُخلطان، وعبؤهما مختلف

ما يُقالما هو في الحقيقةما يلزمه
«لم يثبت عندي أنّه تكلَّم»توقُّفٌ عن التصديقأن يبيّن لماذا لم تكفه الشواهد المعروضة
«خلق ثمّ صمت»دعوى موجَبة على فعلِ الخالقأن يبيّن كيف عرف أنّه صمت

والمثال: من قال «لم تصلني رسالةٌ منه» أخبر عن صندوق بريده. ومن قال «لم يُرسل» أخبر عن فعل المرسِل — وهذه لا تُعرف بتفتيش صندوقك مهما دقّقت.

*وأين ينكسر*: لو طال الغيابُ جدًّا وأنت تعلم أنّه يعرف عنوانك، صار الطولُ نفسُه قرينةً معتبرة. وهذه بعينها حجّةُ الخفاء، وهي حجّةٌ حقيقيةٌ لا نهوّن منها، وموضعُها الفصلُ الخامس والعشرون.

وأمّا صاحبُ السطر الأوّل — وهو الأكثر — فماذا نقول له؟

قارئٌ شاكٌّ قال لنا: «الفصلُ كلُّه يصارع صاحبَ السطر الثاني، وهو نادر. ولا أعرف أحدًا يقول: أنا أعلم أنّه صمت. صرعتم خصمًا قليلًا لأنّه الوحيدُ الذي يمكن مطالبتُه بسند». وهذا صحيح، ونقرّ به. فليكن ما يلي مصروفًا إليه هو:

١. لا نطالبك بسندٍ على النفي. التوقُّفُ ليس دعوى، ومن طالب المتوقّفَ بدليلٍ فقد قلب العبء. ولا نقول لك «فأثبت أنّه لم يتكلَّم»، ولا نعدّ سكوتَك موقفًا يُدافَع عنه.

٢. والذي نطلبه واحدٌ وصغير: أن يكون توقُّفُك عن نظرٍ في المعروض لا عن إعراضٍ عنه. وفرقٌ بين «نظرتُ فلم يكفني» و«لم أنظر». والأولى موقفٌ معرفيٌّ تامّ، ولا شيءَ في هذا الكتاب يعيبه.

٣. ونقرّ بأنّ هذا الطلب زهيد. فمن نظر فلم يكفه فقد استوفى ما عليه، وليس عندنا بعده ما نُلزمه به. والفصلُ إذن لا يُنتج عليك شيئًا — وقولُنا هذا صريحًا خيرٌ من عنوانٍ يُوهم أنّه أنتج.

٤. وأمّا صاحبُ الدعوى الموجَبة — «خلق ثمّ صمت» — فهو المخاطَبُ بما بقي من الفصل. وهو أقلُّ الناس عددًا، ونحن نقول ذلك ولا نُخفيه.

رابعًا: ولماذا يحتاج الصمتُ تعليلًا أصلًا؟

لأنّ المخلوقَ الذي نتكلّم عنه ليس آلة.

المصعدُ لا يحتاج دليلَ استعمال: زرٌّ واحدٌ ونتيجةٌ واحدة. وجهازُ التخدير في غرفة العمليات يأتي معه كتيّبٌ في مئة صفحة — لا لأنّ صانعه أكثرُ كلامًا، بل لأنّ فيه أربعين مفتاحًا وخطأً واحدًا لا يُستدرك.

*وأين ينكسر — وهو ينكسر من وجهين*:

الوجهُ الأوّل: الكتيّبُ يجيء مع الجهاز لأنّ صانعَه أراد له استعمالًا بعينه، ولزمَته عهدةٌ نحو مستعمله. والربوبيُّ ينكر المقدّمتين معًا: لا يُثبت قصدًا مخصوصًا ولا عهدةً. فالمثالُ يفترض عليه ما هو محلُّ النزاع — وذاك مصادرةٌ على المطلوب لو سيق حجّة. فليس حجّةً إذن؛ غايتُه أن يقول: من أثبت للخالق قصدًا وعنايةً لزمه السؤال. ومن لم يُثبتهما فالسؤالُ عليه من جهةٍ أخرى — من جهة اللوم والميزان، لا من جهة الصنعة.

الوجهُ الثاني، وهو أثقلُ، وقد ساقه علينا قارئٌ شاكّ: الكتيّبُ الذي يأتي مع الجهاز واحد، ومن المصنّع، ومعروفُ النسبة. وأمّا هنا فأربعون كتيّبًا متعارضًا ليس فيها ختمُ المصنّع. ولو شحنت شركةٌ جهازًا خطرًا مع أربعين دليلًا متناقضًا لكانت الشركةُ هي المسؤولة. فالمثالُ في هذا الوجه يعمل ضدّنا، وهو حجّةُ الخفاء معكوسةَ الوجه. ونحن نُثبته كما ورد ولا نحذفه، ونقول: هذا ثمنُ المثال، ومن رآه أرجحَ من نفعه فليطرحه كلَّه — فليس عليه شيءٌ يُبنى.

والميزانُ الأخلاقيّ: ثلاثةُ احتمالاتٍ لا اثنان

ونحن نتداول ونتردّد ونندم ونلوم. والاحتمالاتُ في تفسير هذا ثلاثةٌ لا اثنان:

  • أن يكون ثمّ ميزانٌ مركوزٌ في العقل وحده — وذاك جوابُ الربوبيّ.
  • أن يكون مركوزًا ومُبيَّنًا — وذاك قولُنا.
  • ألّا يكون ثمّ ميزانٌ موضوعيٌّ أصلًا، وإنّما عادةٌ ونافعٌ ومتّفَقٌ عليه — وهو قولُ ماكي بنصّه: «الغرابة» عنده حجّةٌ على أنّ الأخلاق الموضوعيّة غير موجودة، لا على أنّها تحتاج أساسًا.

والثالثُ أثقلُها علينا ولا يُطوى. وقد كانت مسوّدتُنا تحصر في اثنين ثمّ تستشهد بماكي بعد أسطر — أي تُسقط الخيارَ ثمّ تستدعيه. وهذا حصرٌ باطل، وقولُنا «اللومُ لا معنى له إن لم يكن ثمّ ميزان» مصادرةٌ على المطلوب إن سيق مقدّمةً واقعية: صاحبُ القول الثالث يقبل أن يكون اللومُ بلا ميزانٍ موضوعيّ ويُفسّره تفسيرًا آخر.

*وأقوى ما عند الربوبيّ هنا*: أنّ العقلَ كافٍ. وجوابُنا أنّ العقلَ يكفي في القدر المشترك ويختلف في التفصيل: اتّفق الناسُ على قبح الغدر، واختلفوا في كلّ فرعٍ تقريبًا — في المال، وفي الدم، وفيمن يستحقّ الرحمة أصلًا.

وقد كنّا نقول «وهذا مقيسٌ في التاريخ لا مدَّعًى» فحذفناها: لفظُ «مقيس» يَعِد قياسًا لا نُحيل على مصدره، وفصلُنا التالي يعيب على غيره الدعوى التي لا تُختبر. فالصوابُ: هذا ملحوظٌ لا مقيس، وهو انطباعُ قارئِ تاريخٍ لا نتيجةُ مسحٍ نملك سندَه.

*أين ينكسر*: الاختلافُ في التفصيل يقبل تفسيرًا آخر — أن تكون الأخلاق نتاجَ أنماط عيشٍ متغيّرة، وهو ما يقوله ماكي. فهذا لا يُثبت أنّ الوحي وقع. غايتُه أنّ «خلق ثمّ صمت» ليس الفرضَ الأنظف تلقائيًّا، وأنّ صاحبَه مطالَبٌ كما نُطالَب.

خامسًا: وماذا يُنتج تعارضُ الدعاوى؟

عشرةُ شهودٍ تناقضوا في وصف السارق: هذا يقول طويلٌ أسمر، وذاك قصيرٌ أشقر. تناقضُهم لا يُنتج أنّ السرقة لم تقع؛ يُنتج أنّ تسعةً على الأقلّ أخطأوا.

*وحدُّ المثال — وهو ثقيلٌ فلا نُخفّفه*:

١. السرقةُ ثابتةٌ بغير الشهادات: المالُ مفقودٌ والبابُ مكسور. وليس في دعوى الوحي مالٌ مفقود — الشهاداتُ هي كلُّ ما عندنا. فالمثالُ يُهرّب واقعةً مستقلّةً لا نظيرَ لها في المسألة، ومن سلّم به على علّاته سلّم بما لم يُثبَت.

٢. وقد يكون المخطئون العشرةَ لا تسعة. قولُنا «تسعةٌ على الأقلّ» يحجز صامتًا شاهدًا صادقًا، وذاك تهريبٌ ثانٍ. والصوابُ: قد يكونون كلُّهم.

٣. والاعتراضُ في صيغته الحقيقيّة ليس «لم يقع»، بل: أنّ نوعَ الدليل المستعمَل ههنا — الشهادةُ والتجربةُ الباطنة — قد أنتج دعاوى متنافيةً بقوّةٍ متقاربة، فثقتُنا بالنوع نفسِه تنقص. وهذه صيغةُ ألستون، وهو يعدّها صعوبةً في موقفه هو لا في موقف خصمه.

وأمانةُ النقل تقتضي أن نُتمّ عنه: ألستون لا يقف عند الاعتراف. هو يخلص إلى أنّ الاستمرارَ على ممارسته المعرفيّة عقلانيّ لانعدام أرضٍ محايدةٍ يُفصَل عليها بين الممارسات المتنافسة. فمن نقل عنه الاعترافَ دون الجواب فعل به ما نعيبه على من ينقل عن أوبي نصفَ الأطروحة. ونحن كنّا فعلناها في مسوّدتين، فأثبتناها هنا.

*وأين ينكسر جوابُه هو*: «انعدامُ الأرض المحايدة» يسوّغ الثبات ويسوّغ ثباتَ كلِّ صاحب ممارسةٍ أخرى بالقدر نفسِه. فهو جوابٌ يحفظ العقلانيّة ولا يفرز الدعاوى — وذاك بعينه ما نقوله في الفصل الخامس والعشرين.

*ثمّ*: هو لا يُعطيك السارقَ. ومن أراد أن يعيّنه احتاج ميزانًا مستقلًّا عن الشهادات نفسِها. وذاك موضوعُ الفصل التالي.

سادسًا: فماذا حصّلنا؟ — دفترُ حسابٍ مكشوف

بنينا أربعَ دعائم بأقوى صيغة، فهذا مآلُها عندنا:

الدعامةمآلُها
١. الدليلُ لا يبلغ متكلِّمًاسلّمنا بها
٢. تعارضُ الدعاوىسلّمنا بها، وزدناها قوّةً بصيغة ألستون
٣. الخفاءلم تُحسم، وأُجّلت إلى الفصل ٢٥
٤. لا حاجةسلّمنا بأنّ ردَّنا لا يُثبت وقوعَ الوحي

فثلاثٌ مُسلَّمةٌ وواحدةٌ مؤجَّلة. وليس هذا خاتمةَ غالبٍ، وقد ظنّ عنوانُنا الأوّلُ أنّه كذلك فغيّرناه. والذي بقي بيدنا بعد الدفتر شيءٌ واحد: أنّ دعوى «خلق ثمّ صمت» — بصيغتها الموجَبة، لا بصيغة التوقُّف — ليست الفرضَ المجّانيّ الذي لا يُسأل. وهذا قليل. ونقولُه قليلًا.