Skip to content

٢٣. ماذا لو أردتَ أن ترجع؟

تصريحٌ قبل الفصل: هذا فصلٌ عمليٌّ مصروفٌ إلى من مال إلى الرجوع، وهو يفترض دينًا بعينه بخلاف الفصل الذي قبله. فليس جزءًا من الميزان، ولا يُقرأ حكمًا على من لم يمِل. ومن لم يكن هذا حالَه فليقرأ القسم السابع منه وحدَه — كُتب له هو.

السؤال: اقتنعتَ، أو مِلتَ إلى الاقتناع. فماذا الآن؟

الجوابُ في سطرين: ابدأ بالأصغر الذي يدوم، ولا تعُد إلى البيئة نفسِها التي أخرجتك. ولك أن ترجع وفي يدك سؤالٌ لم يُحسم — لا أحد يشترط عليك أن تنتهي أسئلتُك أوّلًا.

١. لا تشترط على نفسك أن تفهم كلَّ شيءٍ قبل أن تبدأ

من انتظر أن يفهم المحرّك كلَّه قبل أن يقود لم يقد أبدًا. وأنت تركب الطائرة ولا تعرف من صانعُ محرّكها، وتثق بسجلّ صيانةٍ لم ترَه.

وأثرُ الترتيب حقيقيّ: الطمأنينةُ تجيء بعد الفعل غالبًا لا قبله. ومن جعل اليقينَ التامَّ شرطًا للخطوة الأولى فقد وضع النتيجةَ في مكان المقدّمة، ثمّ لام نفسَه على أنّه لم يتحرّك.

٢. الأصغرُ الذي يدوم خيرٌ من الأكبر الذي ينقطع

هذا كلامٌ في تنفيذ فعلٍ متكرّر، لا في صواب رأيٍ ولا في خطئه. والمثالُ من بابٍ لا صلةَ له بالمسألة: من عاد إلى الجري بعد سنتين فبدأ بعشرة كيلومترات أوجع ركبتيه فقعد شهرًا. والخطأ في المقدار لا في الرجل، والبدايةُ الصحيحة خمسُ دقائق تتكرّر.

فاختر أصغرَ شيءٍ تستطيع أن تفعله كلَّ يومٍ بلا بطولة. والشرطُ الوحيد أن يكون متكرّرًا، لا أن يكون كبيرًا. وما ينقطع بعد أسبوعٍ يترك أثرًا أسوأ من عدمه، لأنّه يُعلّمك عن نفسك خبرًا كاذبًا عن قدرتك — لا عن رأيك.

٣. لا تعُد إلى البيئة نفسِها

هذا أهمّ ما في الفصل.

والمثالُ محايدٌ عمدًا: من أراد أن ينام مبكّرًا وأبقى الهاتفَ على الوسادة لم يُهزم لأنّ عزيمته ضعيفة. البيئةُ تحمل الإشارات، والإشاراتُ أسرعُ من القرار.

وقد كان مثالُنا الأوّلُ هنا تركَ التدخين، فقال قارئٌ شاكّ: في ذلك التشبيه موقعي أنا هو السيجارة؛ الرجوعُ إليكم إقلاعٌ، والبقاءُ حيث أنا إدمان. ولم نقصدها، وبنيةُ التشبيه تحملها. والتشبيهُ الذي يحمل الحكمَ قبل الدليل يُطرح ولو صحّ ما أُريد به، فطُرح.

فإن كان الذي أخرجك سؤالًا قُمع، فلا تعُد إلى من قمعه. وإن كان الذي أخرجك أذًى وقع باسم الدين، فلا تجعل شفاءك موقوفًا على من آذاك.

واختر من تسأله قبل أن يأتيك السؤال، وفيه ثلاثةُ شروط:

  • أن يعرف البابَ الذي تسأل فيه — فسكونُ الجاهل لا ينفعك، وقد يستوفي الشرطين الآخرين وهو لا يعلم شيئًا.
  • أن يقول «لا أعرف» حين لا يعرف.
  • ألّا يُفزَع.

ومن نقص فيه واحدٌ منها يُسمَع منه ولا يُستفتى في شكّ. وكنّا نقول «شرطان لا ثالث لهما» فأسقطنا بذلك أوّلَها منطقًا — والحصرُ المعلَن بلفظه أسوأُ من الحصر الواقع سهوًا.

٤. وما يُشبه الشكَّ وليس منه

وهذا أخطرُ قسمٍ في الفصل، وأشدُّ ما كُتب فيه علينا.

قال قارئٌ شاكّ عن صيغتنا الأولى: «قلتم إنّ السؤال الذي يعود بعد كلّ جوابٍ بصيغةٍ أدقّ عَرَضٌ يُعالَج. وذاك بعينه وصفُ التفكير السليم: أُضيّق سؤالي لأنّ جوابكم أخطأ موضعه. أعطيتم محاوري مفتاحًا لإعادة تصنيف إلحاحي على السؤال. ولا نظيرَ له في الجهة الأخرى: ليس عندكم سطرٌ يقول إنّ الجوابَ الذي يعود بعد كلّ سؤالٍ بصيغةٍ أدقّ دفاعٌ لا حجّة».

وهو محقٌّ في الثلاثة، فأُعيد القسمُ كلُّه على ما يلي:

١. دقّةُ السؤال ليست عَرَضًا، بل علامةُ صحّة. ومن ضيّق سؤاله بعد جوابٍ أخطأ موضعَه فقد فعل ما يفعله الباحث. فأسقطنا هذا الوصفَ من العلامات كلَّه.

٢. والذي بقي وصفُ حالٍ لا تصنيفَ شخص: أن يأخذ السؤالُ ساعاتٍ من يومك، وأن تكون الطمأنينةُ التي تجدها بعد كلّ جوابٍ قصيرةَ الأجل بلا أن يتغيّر السؤالُ نفسُه، وأن يكون الطلبُ طلبَ راحةٍ لا طلبَ جواب. وهذا وصفٌ تعرفه أنت من نفسك ولا يعرفه محاورُك عنك.

٣. ولا تصنيف. قد يكون الأمران معًا: قلقٌ حقيقيٌّ وسؤالٌ نظريٌّ قائم، وليس التصنيفُ إلى أحدهما بلازم. والحكمُ في هذا ليس إليك ولا إلينا؛ عرضُ الحال على مختصٍّ هو الذي يفصل. وهذا وصفُ حالٍ يُعرض عليه، لا تشخيصٌ نصدره من كتاب.

٤. والقاعدةُ في الجهتين. فإن كان جوابُك أنت يعود بعد كلّ سؤالٍ بصيغةٍ أوسعَ لا أدقّ، ويطمئنّك ساعتين ثمّ ترجع تفتّش عن غيره، ولا تجد نفسك تسأل «فما الذي لو صحّ لغيّر رأيي؟» — فذاك دفاعٌ لا حجّة، والقلقُ فيه قلقُك أنت. والميزانُ الذي يعمل في اتّجاهٍ واحدٍ ليس ميزانًا.

٥. ولا يُقال لأحدٍ في وجهه «هذا وسواس». من قالها لمحاوره فقد أغلق البابَ وأخذ سلطةً ليست له. وهذا القسمُ مكتوبٌ لك عن نفسك، لا لغيرك عنك.

٥. لا يُطلَب منك أن تسامح، ولا الآن

من أُذي فقيل له «سامح» أُضيف إلى جرحه ذنب. والمسامحةُ تحت الطلب تُبطئ الشفاء ولا تعجّله. والفصلُ بين الله وبين من آذاك باسمه احتمالٌ تملكه، لا واجبٌ يُفرض عليك، ولا شرطٌ لقبولك. وهو نتيجةُ شفاءٍ لا بابُه.

٦. أعطِ سؤالك المفتوح مكانًا مكتوبًا

خذ ورقةً واكتب السؤالَ الذي لم يُحسم عندك، وضَعْ له تاريخًا، واحفظها.

فرقٌ بين «علّقتُه» و«أنكرتُه»، وفرقٌ بينهما وبين «لا سبيل إلى معرفته أبدًا». الأولى تُبقي البابَ مفتوحًا ولا تُلزمك شيئًا؛ والثالثةُ دعوى على حدود المعرفة كلِّها، وهي أثقلُ ما في المسألة عبئًا.

وسؤالٌ واحدٌ معلَّقٌ مكتوبٌ بتاريخه أنفعُ من عشرة أسئلةٍ تدور في الرأس بلا صيغة. المكتوبُ يُراجَع بعد سنة، والدائرُ يتضخّم كلَّ ليلة.

٧. وماذا لو لم ترجع؟

قال قارئٌ شاكّ: «فصلاكم العمليّان موجَّهان إلى الداخل: كيف أرجع، وكيف تحاورونني. ولا سطرَ في: كيف أعيش خارجًا بسلام. وأنتم تقولون لي «لك أن تخرج على شكّك» — لكنّكم تعطون هذا الاحتمال إذنًا ولا تعطونه مساحة. والمساحةُ هي التي تُصدَّق». وهو محقّ. وهذه المساحة.

١. لستَ في اختبارٍ له مؤقّت. من عاش سنينَ على سؤالٍ معلَّقٍ لم يفعل شيئًا شائنًا. والاستعجالُ إلى قرارٍ لتستريح من الحيرة قرارٌ مدفوعٌ بالراحة، وهو من جنس ما نعيبه في هذا الكتاب كلِّه على الجهتين.

٢. واحفظ ما لا علاقةَ له بالمسألة. أكثرُ ما يُفقد في هذا الطريق ليس عقيدةً؛ هو أبٌ وأمٌّ وأصدقاءُ مائدة. وليس بين رأيك وبين طعامك مع أمّك تلازم، ومن جعله لازمًا فقد اشترى خسارةً لا يقتضيها موقفُه.

٣. واكتب سؤالك كما يكتبه الراجع. الورقةُ في القسم السادس ليست للمؤمن وحده. اكتب: ما الذي لو ظهر لغيّر موقفي؟ ومن لم يجد لسؤاله جوابًا فحاله حالُ من وقفناه في المعيار الثالث سواءً بسواء — وقد وقفنا أنفسنا فيه.

٤. ولا يُقرأ بقاؤك حيث أنت فشلًا في هذا الكتاب. ونقولها هنا لا في سطرٍ أخير: الكتابُ لا يشترط عليك أن تقتنع، وليس فيه ما يجعل خروجك منه على شكّك نقصًا فيك.

٥. وإن ألمّ بك ضيقٌ يتجاوز السؤال — فتورٌ عن العمل، أو نومٌ يفسد، أو فكرةٌ في إيذاء النفس — فذاك بابٌ آخر يُذهب فيه إلى مختصّ، ولا علاقةَ له بأيّ رأيٍ تحمله في هذه المسألة، ولا يقول عنك شيئًا.

وحدُّ هذا الفصل

لا شيءَ ممّا سبق يُثبت شيئًا في المسألة النظرية. الطريقةُ التي ترجع بها لا تجعل الدعوى صادقة، والطريقةُ التي تخرج بها لا تجعلها كاذبة. هذا فصلٌ في كيف تُنفَّذ خطوةٌ، لا في هل تصحّ. ومن خلط بينهما فقد أخذ من هذا الكتاب غيرَ ما فيه.