Skip to content

قبل الفصول الثلاثة: إلى من قرأ ثمّ خرج

هذه الفصولُ الثلاثة كُتبت أوّلَ مرّةٍ وأنا أخاطب مؤمنًا عن غيره. وقرأها من خرج فعلًا، فقال لي جملةً لم أستطع دفعَها: «أنا موضوعُ الكلام لا مخاطَبُه، ومسموحٌ لي أن أُنصت». وهو محقّ. فأنا أعيد كتابتَها وأنا أخاطبك أنت.

وأربعةُ أشياء أقولها في أوّل سطرٍ لا في آخره، لأنّ استنتاجَها من نبرة الفصول حقٌّ لك أن يُغنى عنه:

١. أنت لم تُوهَم بجملة. الصيغةُ القديمة كانت تقول: «من أوهمك أنّك خرجت بجملةٍ واحدة سيخسرك في أوّل نقاشٍ جادّ». وفيها فرضان كاذبان: أنّك أُوهمت، وأنّك لم تدخل نقاشًا جادًّا بعد. وأكثرُ من خرج ممّن قرأتُ لهم خرج بعد قراءةٍ أطولَ ممّا يقرأ من يجادله، وبكلفةٍ في الأهل والعمل لا يدفعها من يبحث عن مخرجٍ سهل. فلا أفترض في سؤالك خفّةً، ولا في خروجك تسرّعًا.

٢. والسؤالُ لا يترقّى بمن نطقه. كنتُ كتبتُ عن اعتراض «من خلق الله؟»: «وهذه ليست صيغةَ مراهقٍ في تعليق، هي ما يقوله فلاسفةٌ محترفون». وهذه أسوأُ جملةٍ كتبتُها في الباب — تقول إنّ السؤال يصير جادًّا حين ينطقه صاحبُ كرسيّ. والصوابُ أنّ الاعتراضَ يُقوَّم بمضمونه، وأنّي إنّما أذكر الفلاسفةَ لأدلَّك على أين تقرأ تفصيلَه لا لأمنحه إذنًا بالوجود. والذي سأله في تعليقٍ وهو ابنُ تسعةَ عشرَ عامًا سأله كاملًا، وإنّما لم يجد من يجيب.

٣. وترتيبُ الأسئلة اختيارٌ منّي، وأقولُ لك مقصوده. هذه الفصولُ الثلاثة تنتهي كلُّها بـ«لا يُثبت أنّ الله موجود»، ولو أثبتت لأثبتت واجبَ وجودٍ مجهولَ الهويّة. وبين «ثمّ واجبُ وجود» وبين «فصلِّ خمسًا وصدِّق هذا الكتاب بعينه» المسافةُ كلُّها — ولا أحدَ يترك دينَه لأنّ برهانَ الإمكان لم يُقنعه. الناسُ يخرجون من الخلود في النار جزاءً لذنبٍ ينتهي، ومن آيات الرقّ والسبي، ومن أنّهم قرأوا النصَّ الذي قيل لهم إنّه لا يشبه كلامَ البشر فوجدوه يشبه زمانَه ومكانَه، ومن أنّ أوّلَ من علّمهم كذب عليهم في موضعٍ استطاعوا فحصَه. وهذه هي الأبواب، وليست في هذه الفصول. وبدأتُ بالبابِ الذي فيه تعادلٌ لا لأنّه الأهمّ بل لأنّه الأسهلُ عليّ، وذلك اختيارٌ يُذكر لا يُخفى. ومن قرأ هذه الفصول ووجدها لا تمسّ سببَ خروجه، فقد قرأها صحيحةَ القراءة.

٤. وما الذي يغيّر رأيي أنا؟ ألزمتُ نفسي في الفصل الأوّل أن أقول أيُّ اكتشافٍ يُبطل دعواي، ثمّ أجبتُ «لا شيء» وسمّيتُه إقرارًا. وذاك جوابٌ ناقصٌ يجعل الحوارَ صوريًّا، فهذا تمامُه بأربعةٍ بأعيانها:

  • أن يثبت أنّ مجموعةَ القوانين ممكنةٌ واحدةٌ منطقيًّا — أي أنّ نظريةً نهائيةً لا بديلَ لها متّسق. فإن صحّ ذلك سقط سؤالُ «لِمَ هذا الانتظام دون غيره» لا تأجيلًا بل إبطالًا، وهو أقوى ما يواجه أمتنَ ما أقول.
  • أن يُعطى تفسيرٌ للاطّراد لا يفترضه في تفسيره.
  • ومسألةُ الشرّ: وهي أثقلُ ما عليّ، وقد غيّرت عندي أشياءَ فعلًا — ولا أزعم أنّي أملك فيها جوابًا يُسكت.
  • وفي الدين المعيَّن: أن يُوجد في نصّه خطأٌ لا يحتمل تأويلًا إلا بتكلُّفٍ أعرف أنّي أتكلّفه — من صنف ما فحصتَه أنت بنفسك. وهذا هو الموضعُ الذي يخرج منه الناسُ فعلًا، وهو ليس موضوع هذه الفصول.

فإن كنتَ تريد أن تعرف هل أناور: هذه أربعةُ مواضعَ أضع فيها رقبتي. ولك أن تحكم عليّ بها لا بنبرتي.