فصل في النهي عن تفير صيد مكة
ج ٤ · ص ٢٠٠
خبز الشعير به من أحسن التدبير، لا سيما لمن تلك عادتهم، كأهل المدينة، وتارة بالخل، ويقول: ( «نعم الإدام الخل» ) ، وهذا ثناء عليه بحسب مقتضى الحال الحاضر، لا تفضيل له على غيره، كما يظن الجهال، وسبب الحديث أنه دخل على أهله يوما، فقدموا له خبزا، فقال: (" «هل عندكم من إدام؟ " قالوا: ما عندنا إلا خل، فقال: " نعم الإدام الخل» ") .
والمقصود: أن أكل الخبز مأدوما من أسباب حفظ الصحة بخلاف الاقتصار على أحدهما وحده. وسمي الأدم أدما؛ لإصلاحه الخبز، وجعله ملائما لحفظ الصحة. ومنه قوله في إباحته للخاطب النظر: ( «إنه أحرى أن يؤدم بينهما» ) ، أي أقرب إلى الالتئام والموافقة، فإن الزوج يدخل على بصيرة، فلا يندم.
وكان يأكل من فاكهة بلده عند مجيئها، ولا يحتمي عنها، وهذا أيضا من أكبر أسباب حفظ الصحة، فإن الله سبحانه بحكمته جعل في كل بلدة من الفاكهة ما ينتفع به أهلها في وقته، فيكون تناوله من أسباب صحتهم وعافيتهم، ويغني عن كثير من الأدوية، وقل من احتمى عن فاكهة بلده خشية السقم إلا وهو من أسقم الناس جسما، وأبعدهم من الصحة والقوة.
وما في تلك الفاكهة من الرطوبات، فحرارة الفصل والأرض، وحرارة المعدة تنضجها وتدفع شرها إذا لم يسرف في تناولها، ولم يحمل منها الطبيعة فوق ما تحتمله، ولم يفسد بها الغذاء قبل هضمه، ولا أفسدها بشرب الماء عليها، وتناول الغذاء بعد التحلي منها، فإن القولنج كثيرا ما يحدث عند ذلك، فمن أكل منها ما ينبغي في الوقت الذي ينبغي على الوجه الذي ينبغي، كانت له دواء نافعا.