تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

فصل في أنواع مختلف في عدها من المجاز — معترك الأقران في إعجاز القرآن، ويسمى (إعجاز القرآن ومعترك الأقران)

من معترك الأقران في إعجاز القرآن، ويسمى (إعجاز القرآن ومعترك الأقران) لـعبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي — الورقة ٢٧٨ من ١٬٥٤٦.

فصل في أنواع مختلف في عدها من المجاز

ج ١ · ص ٢٧٩

فالجملة الوسطى احتراس لئلا يتوهم أن التكذيب في نفس الأمر.

قال في عروس الأفراح:

فإن قلت: كل من ذلك أفاد معنى جديدا، فلا يكون إطنابا.

قلت: هو إطناب لما قبله من حيث رفع توهم غيره، وإن كان له معنى في

نفسه.

وهو أن يؤتى في كلام لا يوهم غير المراد بفضلة تفيد نكتة، كالمبالغة في

قوله: (ويطعمون الطعام على حبه) ، أي مع حب الطعام أي

اشتهائه، فإن الإطعام حينئذ أكثر أجرا.

ومثله: (وآتى المال على حبه

) .

(ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن)

، فقوله: (وهو مؤمن) تتميم في غاية الحسن.

وهو أن يتناول المتكلم معنى يستقصيه، فيأتي بجميع عوارضه ولوازمه بعد أن

يستقصي جميع أوصافه الذاتية، بحيث لم يترك بعده فيه مقالا، كقوله تعالى:

(أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل) .

فإنه لو اقتصر على قوله: (جنة) لكان كافيا، فلم يقف عند ذلك حتى قال في تفسيرها: (من نخيل وأعناب) ، فإن مصاب صاحبها بها أعظم، ثم زاد: تجري من تحتها الأنهار - متمما لوصفها بذلك، ثم كمل وصفها بعد التتميمين، فقال: (له فيها من كل الثمرات) ، فأتى بكل ما يكون في الجنان ليشتد الأسف على إفسادها.

ثم قال في وصف صاحبها: وأصابه الكبر، ثم استقصى المعنى في ذلك بما

يوجب تعظيم المصاب بقوله بعد وصفه بالكبر: (وله ذرية ضعفاء) .

ولم يقف

ج ١ · ص ٢٨٠

عند ذلك حتى وصف الذرية بالضعف، ثم ذكر استئصال الجنة التي ليس لهذا

المصاب غيرها بالهلاك في أسرع وقت، حيث قال: (فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت) .

ولم يقتصر على ذكره للعلم بانه لا يحصل به سرعة الهلاك، فقال:

(فيه نار فاحترقت) .

ثم لم يقف عند ذلك حتى أخبر باحتراقها، لاحتمال أن تكون النار ضعيفة لا تفي بإحراقها لما فيها من الأنهار ورطوبة الأشجار، فاحترس عن هذا الاحتمال بقوله: (فاحترقت) .

فهذا أحسن استقصاء وقع في كلام وأتمه وأكمله.

قال ابن أبي الإصبع: والفرق بين الاستقصاء والتتميم والتكميل أن التتميم يرد على المعنى الناقص ليتم.

والتكميل يرد على المعنى التام فيكمل أوصافه.

والاستقصاء يرد على المعنى التام الكامل فيستقصي لوازمه وعوارضه وأسبابه

وأوصافه حتى يستوعب جميع ما تقع الخواطر عليه فلا يبقى لأحد فيه مساغ.

وسماه قدامه التفاتا، وهو الإتيان بجملة أو أكثر لا محل لها من الإعراب أثناء

كلام أو كلامين اتصلا معنى لنكتة غير رفع الإيهام، كقوله: (ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون (57) .

فقوله: (سبحانه) اعتراض لتنزيه الله عن البنات والشناعة على فاعليها.

وقوله تعالى: (لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين) .

فجملة الاستثناء اعتراض للتبرك.

ومن وقوعه بأكثر من جملة: (فأتوهن من حيث أمركم الله إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين (222) نساؤكم حرث لكم) .

فقوله: (نساؤكم) متصل بقوله: فأتوهن، لأنه بيان له، وما بينهما اعتراض

للحث على الطهارة وتجنب الأدبار.

وقوله: (وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعدا للقوم الظالمين (44) .

فيه اعتراض بثلاث جمل، وهي (وغيض الماء) ، (وقضي الأمر) ، (واستوت على الجودي) .

دار الكتب العلمية - بيروت - لبنان — الأولى ١٤٠٨ هـ - ١٩٨٨ م