تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

سورة الأعراف — أسرار ترتيب القرآن

من أسرار ترتيب القرآن لـعبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي — الورقة ٩٧ من ١٨٩.

سورة الأعراف

ج ١ · ص ٩٨

أقول: تقدمت الأوجه في اقترانها بالسورة السابقة؛ وإنما أخرت عنها لقصرها بالنسبة إليها، وهذا القسم من سور القرآن للمئين، فناسب تقديم الأطول1، مع مناسبة ما ختمت به لبراعة الختام وهو قوله: {واعبد ربك حتى يأتيك اليقين} "99"، فإنه مفسر بالموت2، وذلك مقطع في غاية البراعة.

وقد وقع ذلك في أواخر السور المقترنة، ففي آخر آل عمران: {واتقوا الله لعلكم تفلحون} "آل عمران: 200"، وفي آخر الطواسين: {كل شيء هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون} "القصص: 88"، وفي آخر ذوات {الر} : {وانتظر إنهم منتظرون} "السجدة: 30"، وفي آخر الحواميم: {كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ} "الأحقاف: 35".

ثم ظهر لي وجه اتصال أول هذه السورة بآخر سورة إبراهيم؛ فإنه تعالى لما قال هناك في وصف يوم القيامة: {وبرزوا لله الواحد القهار، وترى المجرمين يومئذ مقرنين في الأصفاد، سرابيلهم من قطران وتغشى وجوههم النار} "إبراهيم: 48-50"، قال هنا: {ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين} "2" فأخبر أن المجرمين المذكورين إذا طال مكثهم في النار، ورأوا عصاة المؤمنين الموحدين قد أخرجوا منها تمنوا أن

سورة الأنفال

ج ١ · ص ٩٩

لو كانوا في الدنيا مسلمين، وذلك وجه حسن في الربط، مع اختتام آخر تلك بوصف الكتاب، وافتتاح هذه به1، وذلك من تشابه الأطراف2.

ج ١ · ص ١٠٠

أقول: وجه وضعها بعد سورة الحجر: أن آخرها شديد الالتئام بأول هذه؛ فإن قوله في آخر تلك: {واعبد ربك حتى يأتيك اليقين} "الحجر: 99" الذي هو مفسر بالموت، ظاهر المناسبة لقوله هنا: {أتى أمر الله} "1"، وانظر كيف جاء في المقدمة ب {يأتيك اليقين} [بلفظ المضارع] 1، وفي المتأخرة بلفظ الماضي؛ لأن المستقبل سابق على الماضي، كما تقرر في المعقول والعربية2.

ثم3 ظهر لي أن هذه السورة شديدة الاعتلاق بسورة إبراهيم؛ وإنما تأخرت4 عنها لمناسبة الحجر، في كونها من ذوات {الر} .

وذلك: أن سورة إبراهيم وقع فيها ذكر فتنة الميت، ومن هو مثبت5 وغيره6، وذلك أيضا في هذه بقوله: {الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم} "28" الآيات، فذكر الفتنة، وما يحصل عندها من الثبات والإضلال، وذكر هنا ما يحصل عقب ذلك من النعيم والعذاب7.

دار الفضيلة للنشر والتوزيع