سورة البقرة
ج ١ · ص ٦٦
في هذه نظيره في الخلق من غير أب؛ وهو عيسى عليه السلام1؛ ولذلك ضرب له المثل بآدم، واختصت البقرة بآدم لأنها أول السور، وآدم أول في الوجود وسابق، ولأنها الأصل، وهذه كالفرع والتتمة لها، فمختصة بالإعراب2 [والبيان] .
ولأنها خطاب لليهود الذين قالوا في مريم ما قالوا، وأنكروا وجود ولد بلا أب، ففوتحوا بقصة آدم؛ لتثبت في أذهانهم، فلا تأتي قصة عيسى إلا وقد ذكر عندهم ما يشهد لها3 من جنسها.
ولأن قصة عيسى قيست على قصة آدم في قوله: {كمثل آدم} "59" الآية، والمقيس عليه لا بد وأن يكون معلوما؛ لتتم الحجة بالقياس، فكانت قصة آدم والسورة التي هي فيها جديرة بالتقدم.
ومن وجوه تلازم السورتين: أنه قال في البقرة في صفة النار: {أعدت للكافرين} "البقرة: 24"، ولم يقل في الجنة: أعدت للمتقين، مع افتتاحها بذكر المتقين والكافرين معا4، وقال ذلك في آل عمران5 في قوله: {وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين} "133"، فكأن السورتين بمنزلة سورة واحدة.
وبذلك يعرف أن تقديم آل عمران على النساء أنسب من تقديم النساء عليها.
ج ١ · ص ٦٧
وأمر آخر استقرأته؛ وهو: أنه إذا وردت سورتان بينهما تلازم واتحاد، فإن السورة الثانية تكون خاتمتها مناسبة لفاتحة الأولى للدلالة على الاتحاد. وفي السورة المستقلة عما بعدها يكون آخر السورة نفسها مناسب لأولها، وآخر آل عمران مناسب لأول البقرة؛ فإنها افتتحت بذكر المتقين، وأنهم المفلحون، وختمت آل عمران بقوله: {واتقوا الله لعلكم تفلحون} "200".
وافتتحت البقرة بقوله: {والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك} "البقرة: 4"، وختمت آل عمران بقوله: {وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم} "199"، فلله الحمد على ما ألهم.
وقد ورد أنه لما نزلت: {من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا} "البقرة: 245"، قالت1 اليهود: يا محمد، افتقر ربك، فسأل عباده القرض2، فنزل قوله: {لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء} "181"3 4، فذلك أيضا من تلازم السورتين.
ووقع في البقرة حكاية عن إبراهيم: {ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك} "البقرة: 129" الآية، ونزل في هذه: {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم} "164"، وذلك أيضا من تلازم السورتين.