تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

سورة الفاتحة — أسرار ترتيب القرآن

من أسرار ترتيب القرآن لـعبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي — الورقة ٦٠ من ١٨٩.

سورة الفاتحة

ج ١ · ص ٦١

أيضا الإشارة إلى طريق المغضوب عليهم والضالين بقوله: {لا نفرق بين أحد من رسله} "285" فتآخت السورتان وتشابهتا في المقطع، وذلك من وجوه المناسبة في التتالي والتناسق. وقد ورد في الحديث التأمين في آخر سورة البقرة كما هو مشروع في آخر الفاتحة1، فهذه ستة وجوه ظهرت لي، ولله الحمد والمنة.

ج ١ · ص ٦٢

قد تقدم ما يؤخذ منه مناسبة وضعها.

وقال الإمام: لما كانت هذه السورة قرينة سورة البقرة، وكالمكملة لها، افتتحت بتقرير ما افتتحت به تلك، وصرح في منطوق مطلعها بما طوي في مفهوم [مطلع] 1 تلك2.

وأقول: قد ظهر لي بحمد الله وجوه من المناسبات:

أحدها: مراعاة القاعدة التي قررتها، من شرح كل سورة لإجمال ما في السورة قبلها، وذلك هنا في عدة مواضع:

منها: ما أشار إليه الإمام، فإن أول البقرة افتتح بوصف الكتاب بأنه لا ريب فيه. وقال في آل عمران: {نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه} "13"، وذلك بسط وإطناب؛ لنفي الريب عنه.

ومنها: أنه ذكر في البقرة إنزال الكتاب مجملا، وقسمه هنا إلى آيات محكمات، ومتشابهات لا يعلم تأويلها إلا الله3.

ومنها: أنه قال في البقرة: {وما أنزل من قبلك} "البقرة: 4" [مجملا] 4، وقال هنا: {وأنزل التوراة والأنجيل، من قبل هدى

ج ١ · ص ٦٣

للناس} "3، 4" مفصلا. وصرح بذكر الإنجيل هنا؛ لأن السورة خطاب للنصارى، ولم يقع التصريح به في سورة البقرة بطولها؛ وإنما صرح فيها بذكر التوراة خاصة؛ لأنها خطاب لليهود.

ومنها: أن ذكر القتال وقع في سورة البقرة مجملا بقوله: {وقاتلوا في سبيل الله} "190، 244" [وقوله] : {كتب عليكم القتال} "البقرة: 216"، وفصلت هنا قصة أحد بكمالها1.

ومنها: أنه أوجز في البقرة ذكر المقتولين في سبيل الله بقوله: {أحياء ولكن لا تشعرون} "البقرة: 154" وزاد هنا: {عند ربهم يرزقون، فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم} "169، 170" الآيتين، وذلك إطناب عظيم.

ومنها: أنه قال في البقرة: {والله يؤتي ملكه من يشاء} "البقرة: 247". وقال هنا: {قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير} "26"، فزاد إطنابا وتفصيلا.

ومنها: أنه حذر من الرباء في البقرة، ولم يزد على لفظ الربا إيجازا2 وزاد هنا قوله3: {أضعافا مضاعفة} "130"، وذلك4 بيان وبسط.

دار الفضيلة للنشر والتوزيع