تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

سورة الفاتحة — أسرار ترتيب القرآن

من أسرار ترتيب القرآن لـعبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي — الورقة ٥٩ من ١٨٩.

سورة الفاتحة

ج ١ · ص ٦٠

مؤمني النصارى، كما ورد به الحديث1. وهذا وجه بديع في ترتيب السورتين؛ كأنه لما ذكر في الفاتحة الفريقين، قص في كل سورة مما بعدها حال كل فريق على الترتيب الواقع فيها؛ ولهذا كان صدر سورة النساء في ذكر اليهود، وآخرها في ذكر النصارى2.

والوجه الثالث: أن سورة البقرة أجمع سور القرآن للأحكام والأمثال؛ ولهذا سميت في أثر: "فسطاط القرآن"3، الذي هو: المدينة الجامعة، فناسب تقديمها على جميع سوره.

الوجه الرابع: أنها أطول سورة في القرآن، وقد افتتح بالسبع الطوال4، فناسب البداءة بأطولها.

الوجه الخامس: أنها أول سورة نزلت بالمدينة، فناسب الابتداء5 بها؛ فإن للأولية نوعا من الأولوية.

الوجه السادس: أن سورة الفاتحة لما6 ختمت بالدعاء للمؤمنين بألا يسلك بهم طريق المغضوب عليهم ولا الضالين إجمالا، وختمت سورة البقرة بالدعاء بألا يسلك بهم طريقهم في المؤاخذة بالخطأ والنسيان، وحمل الإصر، وما لا طاقة لهم به تفصيلا، وتضمن آخرها

ج ١ · ص ٦١

أيضا الإشارة إلى طريق المغضوب عليهم والضالين بقوله: {لا نفرق بين أحد من رسله} "285" فتآخت السورتان وتشابهتا في المقطع، وذلك من وجوه المناسبة في التتالي والتناسق. وقد ورد في الحديث التأمين في آخر سورة البقرة كما هو مشروع في آخر الفاتحة1، فهذه ستة وجوه ظهرت لي، ولله الحمد والمنة.

ج ١ · ص ٦٢

قد تقدم ما يؤخذ منه مناسبة وضعها.

وقال الإمام: لما كانت هذه السورة قرينة سورة البقرة، وكالمكملة لها، افتتحت بتقرير ما افتتحت به تلك، وصرح في منطوق مطلعها بما طوي في مفهوم [مطلع] 1 تلك2.

وأقول: قد ظهر لي بحمد الله وجوه من المناسبات:

أحدها: مراعاة القاعدة التي قررتها، من شرح كل سورة لإجمال ما في السورة قبلها، وذلك هنا في عدة مواضع:

منها: ما أشار إليه الإمام، فإن أول البقرة افتتح بوصف الكتاب بأنه لا ريب فيه. وقال في آل عمران: {نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه} "13"، وذلك بسط وإطناب؛ لنفي الريب عنه.

ومنها: أنه ذكر في البقرة إنزال الكتاب مجملا، وقسمه هنا إلى آيات محكمات، ومتشابهات لا يعلم تأويلها إلا الله3.

ومنها: أنه قال في البقرة: {وما أنزل من قبلك} "البقرة: 4" [مجملا] 4، وقال هنا: {وأنزل التوراة والأنجيل، من قبل هدى

دار الفضيلة للنشر والتوزيع