تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

قال تعالى: (بسم الله الرحمن الرحيم (1)) — التبيان في إعراب القرآن

من التبيان في إعراب القرآن لـأبو البقاء عبد الله بن الحسين بن عبد الله العكبري — الورقة ٧ من ١٬٣٠٨.

قال تعالى: (بسم الله الرحمن الرحيم (1))

ج ١ · ص ٦

وقرئ بكسر الهمزة وتخفيف الياء. والوجه فيه أنه حذف إحدى الياءين ; لاستثقال التكرير في حرف العلة وقد جاء ذلك في الشعر قال الفرزدق: تنظرت نصرا والسماكين أيهما علي مع الغيث استهلت مواطره.

وقالوا في أما: أيما، فقلبوا الميم ياء كراهية التضعيف، وإيا عند الخليل وسيبويه اسم مضمر ; فأما الكاف فحرف خطاب عند سيبويه لا موضع لها، ولا تكون اسما ; لأنها لو كانت اسما لكانت إيا مضافة إليها، والمضمرات لا تضاف، وعند الخليل هي اسم مضمر أضيفت إيا إليه ; لأن إيا تشبه المظهر لتقدمها على الفعل والفاعل، ولطولها بكثرة حروفها، وحكي عن العرب: إذا بلغ الرجل الستين فإياه وإيا الشواب.

وقال الكوفيون: إياك بكمالها، وهذا بعيد ; لأن هذا الاسم يختلف آخره بحسب اختلاف المتكلم والمخاطب والغائب، فيقال إياي وإياك وإياه.

وقال قوم: الكاف اسم، وإيا عماد له وهو حرف وموضع إياك نصب ب (نعبد) .

فإن قيل إياك خطاب، والحمد لله على لفظ الغيبة، فكان الأشبه أن يكون إياه.

قيل: عادة العرب الرجوع من الغيبة إلى الخطاب، ومن الخطاب إلى الغيبة، وسيمر بك من ذلك مقدار صالح في القرآن.

قوله تعالى: (نستعين) الجمهور على فتح النون. وقرئ بكسرها وهي لغة ; وأصله نستعون ; نستفعل من العون ; فاستثقلت الكسرة على الواو، فنقلت إلى العين، ثم قلبت ياء لسكونها وانكسار ما قبلها.

قوله تعالى: (اهدنا) لفظه أمر، والأمر مبني على السكون عند البصريين، ومعرب عند

ج ١ · ص ٧

الكوفيين، فحذف الياء عند البصريين علامة السكون الذي هو بناء، وعند الكوفيين هو علامة الجزم.

و (هدى) يتعدى إلى مفعول بنفسه، فأما تعديه إلى مفعول آخر فقد جاء متعديا إليه بنفسه ; ومنه هذه الآية ; وقد جاء متعديا بإلى كقوله تعالى: (هداني ربي إلى صراط مستقيم) [الأنعام: 161] وجاء متعديا باللام، ومنه قوله تعالى: (الذي هدانا لهذا) [الأعراف: 43] .

و: (السراط) بالسين هو الأصل ; لأنه من سرط الشيء إذا بلغه، وسمي الطريق سراطا لجريان الناس فيه كجريان الشيء المبتلع.

فمن قرأه بالسين جاء به على الأصل، ومن قرأه بالصاد قلب السين صادا ; لتجانس الطاء في الإطباق، والسين تشارك الصاد في الصفير والهمس، فلما شاركت الصاد في ذلك قربت منها، فكانت مقاربتها لها مجوزة قلبها إليها لتجانس الطاء في الإطباق.

ومن قرأ بالزاي قلب السين زايا ; لأن الزاي والسين من حروف الصفير، والزاي أشبه بالطاء ; لأنهما مجهورتان.

ومن أشم الصاد زايا قصد أن يجعلها بين الجهر والإطباق.

وأصل: (المستقيم) مستقوم، ثم عمل فيه ما ذكرنا في «نستعين» ، ومستفعل هنا بمعنى فعيل أي السراط القويم. ويجوز أن يكون بمعنى القائم ; أي الثابت.

وسراط الثاني بدل من الأول، وهو بدل الشيء من الشيء، وهما بمعنى واحد، وكلاهما معرفة.

ت. علي محمد البجاوي — عيسى البابي الحلبي وشركاه