[الحديث الثاني والأربعون قال الله تعالى يابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي]
ج ٢ · ص ٤٠٥
فمن أعظم أسباب المغفرة أن العبد إذا أذنب ذنبا لم يرج مغفرته من غير ربه، ويعلم أنه لا يغفر الذنوب ويأخذ بها غيره، وقد سبق ذكر ذلك في شرح حديث أبي ذر: «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي» . الحديث.
وقوله: «إنك ما دعوتني ورجوتني، غفرت لك ما كان منك ولا أبالي» يعني: على كثرة ذنوبك وخطاياك، ولا يتعاظمني ذلك، ولا أستكثره، وفي " الصحيح " عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «إذا دعا أحدكم فليعظم الرغبة، فإن الله لا يتعاظمه شيء» . فذنوب العبد وإن عظمت فإن عفو الله ومغفرته أعظم منها وأعظم، فهي صغيرة في جنب عفو الله ومغفرته. وفي " صحيح الحاكم " «عن جابر أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يقول: واذنوباه واذنوباه، مرتين أو ثلاثا، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: قل اللهم مغفرتك أوسع من ذنوبي، ورحمتك أرجى عندي من عملي، فقالها، ثم قال له: عد فعاد، ثم قال له: عد، فعاد، فقال له: قم، قد غفر الله لك» . وفي هذا يقول بعضهم:
يا كبير الذنب عفو ال ... له من ذنبك أكبر
أعظم الأشياء في ... جنب عفو الله يصغر
ج ٢ · ص ٤٠٦
وقال آخر:
يا رب إن عظمت ذنوني كثرة ... فلقد علمت بأن عفوك أعظم
إن كان لا يرجوك إلا محسن ... فمن الذي يرجو ويدعو المجرم
ما لي إليك وسيلة إلا الرجا ... وجميل عفوك ثم إني مسلم
السبب الثاني للمغفرة: الاستغفار، ولو عظمت الذنوب، وبلغت الكثرة عنان السماء، وهو السحاب. وقيل: ما انتهى إليه البصر منها، وفي الرواية الأخرى: «لو أخطأتم حتى بلغت خطاياكم ما بين السماء والأرض، ثم استغفرتم الله لغفر لكم» ، والاستغفار: طلب المغفرة، والمغفرة: هي وقاية شر الذنوب مع سترها. وقد كثر في القرآن ذكر الاستغفار، فتارة يؤمر به، كقوله تعالى: {واستغفروا الله إن الله غفور رحيم} [البقرة: 199] [البقرة: 199] ، وقوله: {وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه} [هود: 3] [هود: 3] . وتارة يمدح أهله، كقوله: {والمستغفرين بالأسحار} [آل عمران: 17] [الذاريات: 18] ، وقوله: {والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله} [آل عمران: 135] [آل عمران: 135] . وتارة يذكر أن الله يغفر لمن استغفره، كقوله تعالى: {ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما} [النساء: 110] [النساء: 110] . وكثيرا ما يقرن الاستغفار بذكر التوبة، فيكون الاستغفار حينئذ عبارة عن طلب المغفرة باللسان، والتوبة عبارة عن الإقلاع من الذنوب بالقلوب والجوارح.