تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

[الحديث الخامس والثلاثون لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا ولا يبع بعضكم على بيع بعض] — جامع العلوم والحكم

من جامع العلوم والحكم لـعبد الرحمن بن أحمد ابن رجب الحنبلي — الورقة ٧٢٨ من ٩٩٩.

[الحديث الخامس والثلاثون لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا ولا يبع بعضكم على بيع بعض]

ج ٢ · ص ٢٦٢

وقسم آخر إذا وجد في نفسه الحسد، سعى في إزالته، وفي الإحسان إلى المحسود بإسداء الإحسان إليه، والدعاء له، ونشر فضائله، وفي إزالة ما وجد له في نفسه من الحسد حتى يبدله بمحبة أن يكون أخوه المسلم خيرا منه وأفضل، وهذا من أعلى درجات الإيمان، وصاحبه هو المؤمن الكامل الذي يحب لأخيه ما يحب لنفسه، وقد سبق الكلام على هذا في تفسير حديث: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» .

وقوله صلى الله عليه وسلم: ولا تناجشوا: فسره كثير من العلماء بالنجش في البيع، وهو: أن يزيد في السلعة من لا يريد شراءها، إما لنفع البائع لزيادة الثمن له، أو بإضرار المشتري بتكثير الثمن عليه، وفي " الصحيحين " عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه «نهى عن النجش» .

وقال ابن أبي أوفى: الناجش: آكل ربا خائن، ذكره البخاري.

قال ابن عبد البر: أجمعوا على أن فاعله عاص لله عز وجل إذا كان بالنهي عالما.

واختلفوا في البيع، فمنهم من قال: إنه فاسد، وهو رواية عن أحمد، اختارها طائفة من أصحابه، ومنهم من قال: إن كان الناجش هو البائع أو من واطأه البائع على النجش فسد، لأن النهي هنا يعود إلى العاقد نفسه، وإن لم يكن كذلك لم يفسد، لأنه يعود إلى أجنبي. وكذا حكي عن الشافعي أنه علل

ج ٢ · ص ٢٦٣

صحة البيع بأن البائع غير الناجش، وأكثر الفقهاء على أن البيع صحيح مطلقا وهو قول أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد في رواية عنه، إلا أن مالكا وأحمد أثبتا للمشتري الخيار إذا لم يعلم بالحال، وغبن غبنا فاحشا يخرج عن العادة، وقدره مالك وبعض أصحاب أحمد بثلث الثمن، فإن اختار المشتري حينئذ الفسخ، فله ذلك، وإن أراد الإمساك، فإنه يحط ما غبن به من الثمن، ذكره أصحابنا.

ويحتمل أن يفسر التناجش المنهي عنه في هذا الحديث بما هو أعم من ذلك، فإن أصل النجش في اللغة: إثارة الشيء بالمكر والحيلة والمخادعة، ومنه سمي الناجش في البيع ناجشا، ويسمى الصائد في اللغة ناجشا، لأنه يثير الصيد بحيلته عليه، وخداعه له، وحينئذ فيكون المعنى لا تتخادعوا، ولا يعامل بعضكم بعضا بالمكر والاحتيال. وإنما يراد بالمكر والمخادعة إيصال الأذى إلى المسلم: إما بطريق الأصالة، وإما اجتلاب نفعه بذلك، ويلزم منه وصول الضرر إليه، ودخوله عليه، وقد قال عز وجل: {ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله} [فاطر: 43] [فاطر: 43] . وفي حديث ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من غشنا، فليس منا، والمكر والخداع في النار» . وقد ذكرنا فيما تقدم حديث أبي بكر الصديق المرفوع: «ملعون من ضار مسلما أو مكر به» خرجه الترمذي.

فيدخل على هذا التقدير في التناجش المنهي عنه جميع أنواع المعاملات بالغش ونحوه، كتدليس العيوب، وكتمانها، وغش المبيع الجيد بالرديء، وغبن المسترسل الذي لا يعرف المماكسة، وقد وصف الله في كتابه الكفار والمنافقين بالمكر بالأنبياء وأتباعهم وما أحسن قول أبي العتاهية:

ت. شعيب الأرناؤوط وإبراهيم باجس — مؤسسة الرسالة، بيروت