تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

[فصل حجج الذين جوزوا الحيل] — إعلام الموقعين عن ربّ العالمين

من إعلام الموقعين عن ربّ العالمين لـمحمد بن أبي بكر ابن قيّم الجوزية — الورقة ١٬٠٥٤ من ١٬٢٢١.

[فصل حجج الذين جوزوا الحيل]

ج ٤ · ص ١٤٦

جدها، قال المفتي: إن كان الميت ذكرا فالمسألة محال؛ لأن جد العليا نفس الميت، وإن كان الميت أنثى فجد العليا إما أن يكون زوج الميت أو لا يكون كذلك، فإن كان زوجها فله الربع، وللعليا النصف، وللوسطى السدس تكملة الثلثين، والباقي للعصبة.

فلو قال السائل: ميت خلف ابنتين وأبوين، ولم تقسم التركة حتى ماتت إحداهما وخلفت من خلفت، قال المفتي: إن كان الميت ذكرا فمسألته من ستة، للأبوين سهمان، ولكل بنت سهمان، فلما ماتت إحداهما خلفت جدة وجدا وأختا لأب فمسألتها من ستة، وتصح من ثمانية عشر، وتركتها سهمان توافق مسألتها بالنصف فترد إلى تسعة، ثم تضربها في ستة تكون أربعة وخمسين ومنها تصح، وإن كان الميت أنثى ففريضتها أيضا من ستة، ثم ماتت إحدى البنتين عن سهمين، وخلفت جدة وجدا من أم وأختا لأب؛ فلا شيء للجد، وللجدة السدس، وللأخت النصف، والباقي للعصبة، فمسألتها من ستة، وسهامها اثنان فاضرب ثلاثة في المسألة الأولى تكن ثمانية عشر، والمقصود التنبيه على وجوب التفصيل إذا كان يجد السؤال محتملا، وبالله التوفيق.

فكثيرا ما يقع غلط المفتي في هذا القسم، فالمفتي ترد إليه المسائل في قوالب متنوعة جدا، فإن لم يتفطن لحقيقة السؤال وإلا هلك وأهلك، فتارة تورد عليه المسألتان صورتهما واحدة وحكمهما مختلف؛ فصورة الصحيح والجائز صورة الباطل والمحرم ويختلفان بالحقيقة، فيذهل بالصورة عن الحقيقة، فيجمع بين ما فرق الله ورسوله بينه، وتارة تورد عليه المسألتان صورتهما مختلفة وحقيقتهما واحدة وحكمهما واحد، فيذهل باختلاف الصورة عن تساويهما في الحقيقة، فيفرق بين ما جمع الله بينه، وتارة تورد عليه المسألة مجملة تحتها عدة أنواع، فيذهب وهمه إلى واحد منها، ويذهل عن المسئول عنه منها، فيجيب بغير الصواب، وتارة تورد عليه المسألة الباطلة في دين الله في قالب مزخرف ولفظ حسن، فيتبادر إلى تسويغها وهي من أبطل الباطل، وتارة بالعكس؛ فلا إله إلا الله، كم ههنا من مزلة أقدام، ومجال أوهام، وما دعي محق إلى حق إلا أخرجه الشيطان على لسان أخيه، ووليه من الإنس في قالب تنفر عنه خفافيش البصائر وضعفاء العقول وهم أكثر الناس، وما حذر أحد من باطل إلا أخرجه الشيطان على لسان وليه من الإنس في قالب مزخرف يستخف به عقول ذلك الضرب من الناس فيستجيبون له، وأكثر الناس نظرهم قاصر على الصور لا يتجاوزونها إلى الحقائق، فهم محبوسون في سجن الألفاظ، مقيدون بقيود العبارات، كما قال تعالى: {وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون - ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون} [الأنعام: 112 - 113] .

ت. محمد عبد السلام إبراهيم — دار الكتب العلمية، بيروت