الفصل الثالث / في ذكر الإسناد الذي أدى إلي رواية حفص عن عاصم رضي الله عنهما
ج ١ · ص ٥٣
لأنه خلل ظاهر يشترك في معرفته علماء القراءة وغيرهم وحكمه التحريم بالإجماع.
والخفي: هو خلل يطرأ على الألفاظ فيخل بالعرف دون المعنى.
وسمي خفيا لاختصاص معرفته بعلماء القراءة دون غيرهم وهو نوعان:
الأول: مثاله ترك الإدغام في موضعه وكذلك الإظهار والإقلاب والإخفاء وترقيق المفخم وعكسه وتخفيف المشدد كذلك وقصر الممدود ومد المقصور والوقف بالحركة كاملة في غير الوقف بالروم إلى غير ذلك مما هو مخالف لقواعد هذا الفن.
الثاني: وهو لا يعرفه إلا مهرة القراء وحذاقهم ومثاله تكرير الراءات وتطنين النونات وتغليظ اللامات في غير محله وترقيقها كذلك ترعيد الصوت بالمد وبالغنة وكذلك ترك الغنة أو الزيادة على مقدارها أو النقص عنه وكذلك الزيادة في مقدار المد أو النقص عنه إلى غير ذلك مما يخل باللفظ ويذهب برونقه وحسن طلاوته.
والحكم في هذا اللحن بنوعيه التحريم أيضا خلافا لما ذكره ملا علي القاري في شرحه على المقدمة الجزرية حيث قال في النوع الأول: "ولا شك أن هذا النوع مما ليس بفرض عين يترتب عليه العقاب الشديد وإما فيه خوف العقاب والتهديد" أه.
وقال في النوع الثاني: "ولا يتصور أن يكون فرض عين يترتب العقاب على فاعله لما فيه من حرج عظيم".
قال في نهاية القول المفيد: وقال البركوي في شرحه على الدر اليتيم: "تحرم هذه التغييرات جميعها لأنها وإن كانت لا تخل بالمعنى لكنها تخل باللفظ لفساد رونقه وذهاب حسنه وطلاوته" أه بحروفه. قلت: والصواب ما قاله
ج ١ · ص ٥٤
البركوي عليه رحمه الله؛ لأن القارىء إذا قرأ بترك الإظهار والإدغام والقلب والإخفاء وبترك المد في موضعه والقصر كذلك ... إلخ فماذا بقي من أحكام التجويد؟ وكيف توصف التلاوة بعد ذلك بالصحة؟ إن ترك هذه الأحكام لا يتفق وقواعد التجويد المجمع عليها بين عامة المسملين. وقد تقدم إجماع الأمة على ذلك. والأمة كما هم متعبدون بإقامة حدود القرآن متعبدون كذلك بإقامة حروفه وتصحيح ألفاظه، وإقامة الحروف وتصحيحها لا يقومان إلا بتطبيق أحكام التجويد كاملة من إظهار المظهر وإدغام المدغم ... إلخ.
انظر إلى قول الحافظ ابن الجزري في النشر: "ولا شك أن هذه الأمة كما هم متعبدون بفهم معاني القرآن وإقامة حدوده متعبدون بتصحيح ألفاظه وإقامة حروفه على الصفة المتلقاة من أئمة القراءة المتصلة بالحضرة النبوية الأفصحية العربية التي لا تجوز مخالفتها ولا العدول عنها إلى غيرها" أه منه بلفظه قلت: ويؤخذ من عبارة الحافظ ابن الجزري هذه أنه لا بد من الأخذ بجميع أحكام التجويد كاملة حال أداء القرآن ولا يجوز العدول عنها إلى غيرها لأنه وصف إقامة الحروف وتصحيحها بالصفة المتلقاة من أئمة القراءة المتصلة بالحضرة النبوية ولم نسمع بل ولم يوجد نص يدل دلالة واضحة أو غير واضحة على أن قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت بترك الإظهار أو الإدغام ... إلخ ما تقدم بل دلت النصوص والأدلة على أنها كانت قراءة محكمة مجودة كما علمها إياه جبريل عليه السلام على هذه الكيفية المعروفة ثم تلقاها عنه صلى الله عليه وسلم الصحابة رضوان الله عليهم ثم من بعدهم التابعون ثم أتباعهم ثم أئمة القراءة ثم من بعدهم أمم وخلائق لا يحصون عددا في جميع الأعصار والأمصار إلى أن وصل إلينا بهذه الصفة بطريق التواتر الذي يستفاد منه القطع واليقين، وإذا كان الأمر كذلك فلا يجوز لأحد كائنا من كان أن يحيد عن هذه الصفة قيد أنملة فمن تركها وتحول إلى غيرها أو رغب عنها فهو معتد أثيم مستحق للعقاب لتركه واجبا شرعيا، ويحضرني الآن فتوى لشيخ الإسلام في وقته العلامة المحقق شيخ شيوخنا الشيخ