سورة آل عمران
ج ١ · ص ٤٣٦
(ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك)
وقال: (قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن).
فاللام في "إن " دخلت مؤكدة موطدة للام القسم. ولام القسم هي التي
لليمين لأن قولك: والله لئن جئتني لأكرمنك. . . إنما حلفك على فعلك إلا أن الشرط معلق به فلذلك دخلت اللام على الشرط فإذا كانت ما في معنى الجزاء فموضعها نصب بقوله (لما آتيتكم)
والجزاء قوله (لتومنن به)
ويجوز أن يكون في معنى الذي ويكون موضعها رفعا.
المعنى أخذ الله ميثاقهم أي استحلفهم للذي آتيتكم، والمعنى آتيتكموه
(لتومنن به) فتكون ما رفعا بالابتداء ويكون خبر الابتداء (لتؤمنن به)
وحذفت الهاء من (لما آتيتكم) لطول الاسم.
فأعلم الله - عز وجل: أنه عهد إلى كل رسول أن يؤمن بغيره من الرسل فصار العهد مشتملا على الجماعة أن يؤمن
بعضهم ببعض وأن ينصر بعضهم بعضا.
ومعنى قوله: (فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين)
أي فتبينوا لأن الشاهد هو الذي يصحح دعوى المدعي وشهادة الله للنبيين تبيينه أمر نبوتهم بالآيات المعجزات.
ويجوز - وقد قرئ به - (لما آتيتكم) فتكون اللام المكسورة معلقة
بقوله أخذ المعنى أخذ الميثاق لآتيانكم الكتاب والحكمة.
وقرأ بعضهم (لما آتيناكم من كتاب وحكمة) أي لما آتيناكم الكتاب والحكمة أخذ الميثاق ويكون الكلام يؤول إلى الجزاء - كما تقول: لما جئتني أكرمتك.
ج ١ · ص ٤٣٧
وقوله عز وجل: (فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون (82)
ذلك إشارة إلى أخذ الميثاق بالمعنى: (فمن تولى) أي أعرض عن الإيمان بعد
أخذ الميثاق على النبيين.
وأخذ الميثاق على النبيين مشتمل على الأخذ على
أممهم، أي فمن تولى بعد أخذ الميثاق وظهور آيات النبي - صلى الله عليه وسلم - (فأولئك هم الفاسقون) أي: الذين خرجوا عن القصد
وعن جملة الإيمان.
ويصلح أن تكون (هم) ههنا اسما مبتدأ، و (الفاسقون) خبره
و" هم " " مع " الفاسقون خبر أولئك.
وصلح أن يكون (الفاسقون) مرتفعا بأولئك " وهم " فصل -
وهو الذي يسميه الكوفيون العماد.
* * *
وقوله عز وجل: (أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها وإليه يرجعون (83)
أي أفغير دين الله يطلبون، لأنه قد بين أنه دين الله وأنهم كفروا وعاندوا وحسدوا بغيا - كما فعل إبليس.
وقوله عز وجل: (وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها).
جاء في التفسير أنه أسلم من في السماوات كلهم طوعا، وأسلم بعض من في
الأرض طوعا وبعض كرها.
لما كانت السنة فيمن فرض قتاله من المشركين أن
يقاتل حتى يسلم سمي ذلك كرها، وإن كان يسلم حين يسلم طائعا، إلا أن
الوصلة كانت إلى ذلك بكره، ونصب (طوعا) مصدرا، وضع موضع الحال.
كأنه أسلموا طائعين ومكرهين، كما تقول جءتك ركضا ومشيا، وجئت راكضا وماشيا، ويجوز أن يكون والله أعلم - على معنى وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها - أي خضعوا من جهة ما فطرهم عليه ودبرهم به،