سورة الممتحنة
ج ٥ · ص ١٥٨
بما في القلوب، وكانت المحنة إذا جاءت المرأة المهاجرة أن تحلف بالله أنه
ما جاء بها غيرة على زوجها، ولا جاءت إلا محبة لله ولرسوله وللرغبة في
الإسلام فهذه المحنة.
وقوله تعالى: (فلا ترجعوهن إلى الكفار).
أي لا تردوهن، يقال: رجع فلان ورجعته.
وقوله: (لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن).
أي إن المؤمنات لا يحللن للكفار ولا الكفار يحلون للمؤمنات
(وآتوهم ما أنفقوا)
فكان الزوج يعطى مهر امرأته التي آمنت، وكان يؤخذ منهم مهر من
مضى إليهم من نساء المؤمنين ممن تلحق بزوجها إذا رغبت في الكفر.
فأقامت عليه.
(ولا جناح عليكم)
أي ولا إثم عليكم.
(أن تنكحوهن)
أي أن تزوجوهن.
(إذا آتيتموهن أجورهن)
وهذا دليل على أن التزويج لا بد فيه من مهر.
(ولا تمسكوا بعصم الكوافر).
أي إذا كفرن فقد زالت العصمة بين المشركة والمؤمن، أي قد انبت
عقد حبل النكاح، وأصل العصمة الحبل، وكل ما أمسك شيئا فقد عصمه.
وقرئت: (ولا تمسكوا). (ولا تمسكوا)، والأصل تتمسكوا من قولك تمسكت بالشيء إذا أنت لم تخله من يدك أو إرادتك، فحذفت إحدى التاءين.
وقرئت (تمسكوا) - بضم التاء والتشديد من قولك مسك يمسك.
وقرئت (تمسكوا) بضم التاء وتخفيف السين على معنى أمسك يمسك.
ج ٥ · ص ١٥٩
وقوله: (وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون (11)
(فعاقبتم)
على فاعلتم، وقرئت فعقبتم بغير ألف وتخفيف القاف.
وجاء في التفسير فغنمتم، وتأويله لأي اللغة كانت العقبى لكم، أي كانت العقبى والغلبة لكم حتى غنمتم.
وعقبتم أجودها في اللغة، وفعقبتم بالتخفيف جيد في اللغة أيضا.
أي صارت لكم عقبى الغلبة، إلا أنه بالتشديد أبلغ.
ومعنى (فعاقبتم) أصبتموهم في القتال بعقوبة حتى غنمتم.
أي إن مضت امرأة منكم إلى من لا عهد بينكم وبينه.
(فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا).
أي مثل ما أنفقوا في مهورهن، وكذلك إن مضت إلى من بينكم وبينهم
عهد، فنكث في إعطاء المهر فالذي ذهبت زوجته كان يعطى من الغنيمة
المهر، فلا ينقص شيء من حقه، يعطى حقه كاملا بعد إخراج مهور
النساء، فمن ثم دفع عمر بن الخطاب رحمه الله فيما رووا مهر أم أيمن.
* * *
وقوله تعالى: (يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئا ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك في معروف فبايعهن واستغفر لهن الله إن الله غفور رحيم (12)
أي لا يأتين بولد ينسبنه إلى الزوج، فإن ذلك بهتان وفرية.
(ولا يعصينك في معروف).
قيل لا يعصينك في أمر في النوح، وقيل في تمزيق الثياب وخمش
الوجوه ومحادثة الرجال.
والجملة أن المعنى لا يعصينك في جميع ما تأمرهن به بالمعروف.