سورة النور
ج ٤ · ص ٤٥
ما لم يسم فاعله، فيكون المعنى على أنه لما قال: (يسبح له فيها) كأنه قيل: من يسبح الله فقيل يسبح رجال كما قال الشاعر:
ليبك يزيد ضارع لخصومة. . . ومختبط مما تطيح الطوائح
(والآصال): واحدها أصل، وهي العشايا (1).
* * *
(رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار (37)
ومعنى: (لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة).
أي لا يشغلهم أمر عن ذلك.
ويروى أن ابن مسعود رأى قوما من أهل السوق، وقد نودي بالصلاة
فتركوا بياعاتهم ونهضوا إلى الصلاة، فقال: هؤلاء من الذين قال الله - عز وجل - فيهم، (رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله).
وقوله: (وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة)
الكلام أقمت الصلاة إقامة، وأصلها أقمت إقواما، ولكن قلبت الواو
أيضا فاجتمعت ألفان، فحذفت إحداهما لالتقاء الساكنين، فبقي أقمت الصلاة إقامة وأدخلت الهاء عوضا من المحذوف، وقامت الإضافة ههنا في
التعويض مقام الهاء المحذوفة.
وهذا إجماع من النحويين.
وقوله: (يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار).
ويجوز تقلب فيه القلوب والأبصار، في غير القرآن، ولا يجوز في
القران " تقلب، لأن القراءة سنة لا تخالف وإن جاز في العربية ذلك.
ج ٤ · ص ٤٦
ومعنى تتقلب أي ترجف وتجف من الجزع والخوف، ومعناه أن من
كان قلبه موقنا بالبعث والقيامة ازداد بصيرة، ورأى ما يحبه مما وعد به، ومن
كان قلبه على غير ذلك رأى ما يوقن معه بأمر القيامة والبعث، فعلم ذلك بقلبه وشاهده ببصره، فذلك تقلب القلوب والأبصار.
* * *
وقوله: (والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب (39)
والقيعة جمع قاع، مثل جار وجيرة، والقيعة والقاع ما انبسط من
الأرض ولم يكن فيه نبات، فالذي يسير فيه يرى كأن فيه ماء يجري.
وذلك هو السراب، والآل مثل السراب إلا أنه يرتفع وقت الضحى كالماء بين السماء والأرض.
(يحسبه الظمآن ماء).
يجوز يحسبه ويحسبه، ويجوز الظمآن والظمان، على تخفيف الهمزة.
وهو الشديد العطش يقال ظمئ الرجل يظمأ ظمأ فهو ظمآن، مثل عطش
يعطش عطشا فهو عطشان.
وقوله: (حتى إذا جاءه لم يجده شيئا).
أي حتى إذا جاء إلى السراب وإلى موضعه رأى أرضا لا ماء فيها.
فأعلم الله - عز وجل - أن الكافر يظن عمله قد نفعه عند الله، ظنه كظن الذي يظن أن السراب ماء، وأن عمله قد حبط وذهب.
وضرب الله هذا المثل للكافر فقال: إن أعمال الكفار كهذا السراب.
(أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور (40)