سورة النور
ج ٤ · ص ٢٧
فاجلدوه، فتأويله الابتداء، وقال سيبويه والخليل إن الرفع على معنى:
" وفيما فرضنا عليكم الزانية والزاني " - بالرفع - أو الزانية والزاني فيما فرض عليكم.
والدليل على أن الاختيار الرفع قوله عز وجل: (واللذان يأتيانها منكم فآذوهما).
وإنما اختارالخليل وسيبويه النصب لأنه أمر، وأن الأمر بالفعل أولى. والنصب جائز على معنى اجلدوا الزانية والزاني.
والإجماع أن الجلد على غير المحصنين، يجلد غير المحصن وغير
المحصنة مائة جلدة، وينفى مع الجلد في قول كثير من الفقهاء، يجلد مائة
ويغرب عاما.
فأما أهل العراق فيجلدونه مائة.
وقوله: (ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله).
وتقرأ رآفة في دين الله على وزن رعافة، وتقرأ " يأخذكم بالياء ".
ورآفة مثل السآمة مثل قولك سئمت سآمة، ومثله كآبة ففعاله من أسماء المصادر، وسآمة على قياس كلالة.
وفعالة في الخصال مثل القباحة - والملاحة والفخامة.
وهذا يكثر جدا.
ومعنى (ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله)، لا ترحموهما فتسقطوا عنهما ما أمر الله به من الحد، وقيل يبالغ في جلدهما.
وقوله تعالى: (وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين).
القراءة إسكان اللام، ويجوز كسرها.
واختلف الناس في الطائفة، فقال بعضم الواحد فما فوقه طائفة، وقال
آخرون لا تكون الطائفة أقل من اثنين، وقال بعضهم ثلاثة، وقال بعضهم
أربعة، وقال بعضهم عشرة، فأما من قال واحد فهو على غير ما عند أهل
ج ٤ · ص ٢٨
اللغة، لأن الطائفة في معنى الجماعة وأقل الجماعة اثنان، وأقل ما يجب في
الطائفة عندي اثنان.
والذي ينبغي أن يتحرى في شهادة عذاب الزاني أن
يكونوا جماعة لأن الأغلب على الطائفة الجماعة.
* * *
وقوله: (الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين (3)
ويجوز الزاني لا ينكح إلا زانية، والزانية لا ينكحها إلا زان
ولم يقرأ بها. وتأويل (الزاني لا ينكح إلا زانية) على معنى لا يتزوج.
وكذلك الزانية لا يتزوجها إلا زان.
وقال قوم: إن معنى النكاح ههنا الوطء، فالمعنى عندهم
الزاني لا يطأ إلا زانية والزانية لا يطؤها إلا زان.
وهذا القول يبعد، لأنه لا يعرف شيء من ذكر النكاح في كتاب الله إلا على معنى التزويج، قال الله سبحانه: (وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم)، فهذا تزويج لا شك فيه.
وقال الله، عز وجل: (يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن).
فاعلم عز وجل أن عقد التزويج يسمى النكاح.
وأكثر التفسير أن هذه الآية نزلت في قوم من المسلمين فقراء كانوا
بالمدينة، فهموا بأن يتزوجوا ببغايا من بالمدينة - يزنين، ويأخذن الأجرة.
فأرادوا التزويج بهن ليعلنهم، فأنزل الله عز وجل تحريم ذلك، وقيل إنهم
أرادوا أن يسامحوهن، فأعلموا أن ذلك حرام.