سورة مريم
ج ٣ · ص ٣٤١
وفي اللغة وردت بلد كذا وكذا إذا أشرفت عليه، دخلته أو لم تدخله، قال
زهير:
فلما وردن الماء زرقا جمامه وضعن عصي الحاضر المتخيم
المعنى بلغن إلى الماء، أي أقمن عليه، فالورود ههنا بالإجماع ليس
بدخول، فهذه الروايات في هذه الآية، والله أعلم.
* * *
وقوله: (وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا للذين آمنوا أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا (73)
(وأحسن نديا).
معناه مجلسا
* * *
وقوله عز وجل: (وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثا ورئيا (74)
(أحسن أثاثا ورئيا) (1).
فيها أربعة أوجه رئيا بهمزة قبل الياء، والراء غير معجمة، وريا بتشديد
بياء مشددة، وزيا - بالزاي معجمة، وقد قرئ بهذه الثلاثة الأوجه.
ويجوز وجه رابع لم يقرأ به - بياء وبعدها همزة - وريئا:.
فأما رئيا - بهمزة قبل الياء - فالمعنى فيه هم أحسن أثاثا أي متاعا، ورئيا
منظرا، من رأيت، ومن قرأ بغير همز فله تفسيران: على معنى الأول بطرح
الهمزة وعلى معنى أن منظرهم مرتو من النعمة، كأن النعيم بين فيهم، ومن
قرأ زيا فمعناه أن زيهم حسن يعني هيئتهم.
قال الشاعر:
أشاقتك الظعائن يوم بانوا بذي الرئي الجميل من الأثاث
ونصب (أحسن أثاثا ورئيا) على نية التفسير.
المعنى وكم أهلكنا قبلهم من
ج ٣ · ص ٣٤٢
قرن هم أحسن أثاثا منهم وأحسن زيا منهم. ومن قرأ ريئا فهو بمعنى رئيا مقلوب لأن من العرب من يقول قد راءني زيد وتقول قد رآني.
في هذا المعنى قال الشاعر كثير:
وكل خليل راءني فهو قائل. . . من أجلك هذا هامة اليوم أو غد
* * *
وقوله عز. وجل: (قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا حتى إذا رأوا ما يوعدون إما العذاب وإما الساعة فسيعلمون من هو شر مكانا وأضعف جندا (75)
هذا لفظ أمر في معنى الخبر، وتأويله أن الله عز وجل جعل جزاء
ضلالته أن يتركه فيها، ويمده فيها، كما قال - جل وعز -:
(من يضلل الله فلا هادي له ويذرهم في طغيانهم يعمهون (186).
إلا أن لفظ الأمر يؤكد معنى الخبر كان لفظ الأمر يريد به المتكلم نفسه إلزاما، كأنه يقول أفعل ذلك وآمر نفسي به، فإذا قال القائل: من رآني فلأكرمه، فهو ألزم من قوله أكرمه، كأنه قال: من زارني فأنا آمر نفسي بإكرامه وألزمها ذلك.
وقوله: (إما العذاب وإما الساعة).
العذاب والساعة منصوبان على البدل من (ما يوعدون) المعنى حتى إذا
رأوا العداب أو رأوا الساعة، فالعذاب ههنا ما وعدوا به من نصر المؤمنين
عليهم فإنهم يعذبونهم قتلا وأسرا.
والساعة يعنى بها يوم القيامة وبما وعدوا به فيها من الخلود في النار.
(فسيعلمون من هو شر مكانا وأضعف جندا).
أي فسيعلمون بالنصر، والقتل أنهم أضعف جندا من جند النبي - صلى الله عليه وسلم - والمسلمين ويعلمون بمكانهم من جهنم، ومكان المؤمنين من الجنة من هو شر مكانا.