فصل في الوقف التام
ج ١ · ص ١٧٨
وقال أحمد بن يحيى، فيما ذكره مكي، إن أصل كلا (لا) التي للنفي، دخلت عليها كاف التشبيه، فجعلتها كلمة واحدة، وشددت لتخرج الكاف عن معنى التشبيه، فهي عنده رد لما قبلها.
ثم إن علماءنا اختلفوا في الوقف عليها، فكان بعضهم يجيز الوقف عليها مطلقا، وبه قرأت على شيخنا أمين الدين عبد الوهاب الشهير بابن السلار، ومنهم من منع الوقف عليها مطلقا، وهو اختيار شيخنا سيف الدين بن الجندي.
ومنهم من فصل، فوقف على بعضها لمعنى، ومنع الوقف على بعضهما لمعنى آخر، وهو اختيار عامة أهل الأداء كمكي، وعثمان بن سعيد، وغيرهما، وبه قرأت على بقية شيوخي.
فمن وقف عليها كلها كانت عنده بمعنى الردع والزجر، أي ليس الأمر كذلك، فهو رد للأول، وأنشدوا على ذلك قول العجاج إستشهادا:
قد طلبت شيبان أن ننساكم ... كلا ولما يصطفق مآتم
ج ١ · ص ١٧٩
والمعنى: لا ما لا يكون الأمر على ما ظنوا، وليس كما ظنوا حتى تصطفق المآتم، والمأتم النساء المجتمعات في خير أو شر.
ج ١ · ص ١٨٠
ومن منع الوقف عليها واختار الابتداء بها مطلقا كانت عنده بمعنى ألا التي للتنبيه، يفتتح بها الكلام، كقوله تعالى: {ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه ألا حين يستغشون ثيابهم} ، وأنشدوا على ذلك قول الأعشى بن قيس إستشهادا:
كلا زعمتم بأنا لا نقاتلكم ... إنا لأمثالكم يا قومنا قتل
واجتمعوا أيضا بقول العرب: (كلا زعمتم أن العير لا يقاتل) وهو مثل للعرب، قال ابن الأنباري: وهذا غلط منه، وإنما معنى ذلك ليس الأمر كذلك، قلت: وما قال ابن الأنباري ظاهر.
ومن فصل كانت عنده في مكان بمعنى (ألا) وفي مكان بمعنى (حقا) وفي مكان للرد والزجر.
وسأبين ذلك موضعا موضعا إن شاء الله تعالى.
فأول ما وقع من ذلك موضعان في سورة مريم عليها السلام