الباب الرابع: باب شروط النسخ
ج ١ · ص ٢١٥
ذكر الآية الثانية عشرة: قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأثى} 1.
ذهب بعض المفسرين إلى أن دليل خطاب هذه الآية منسوخ، لأنه لما قال: {الحر بالحر} اقتضى أن لا يقتل العبد بالحر، وكذا لما قال: {والأنثى بالأثى} اقتضى، أن لا يقتل الذكر بالأنثى من جهة دليل الخطاب، وذلك منسوخ بقوله تعالى {وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس} 2 وإلى هذا أشار ابن عباس فيما رواه عثمان بن عطاء3 عن أبيه عن ابن عباس قال: نسختها الآية التي في المائدة {أن النفس بالنفس} 4 وإلى نحو هذا ذهب سعيد بن جبير ومقاتل.
أخبرنا المبارك بن علي، قال: أبنا أحمد بن الحسين بن قريش، قال أبنا أبو إسحق البرمكي، قال: أبنا أبو بكر محمد بن إسماعيل إذنا قال: أبنا أبو بكر بن أبي داود، قال: أبنا يعقوب بن سفيان، قال: بنا يحيى بن
ج ١ · ص ٢١٦
عبد الله بن بكير، قال: حدثني عبد الله بن لهيعة، عن عطاء بن دينار، عن سعيد بن جبير، أن حيين من العرب اقتتلوا في الجاهلية قبل الإسلام بقليل، فكان بينهم قتل وجراحات، حتى قتلوا (العبيد والنساء) 1 فلم يأخذ بعضهم من بعض حتى أسلموا وكان أحد الحيين يتطاولون على الآخر في العدة والأموال فحلفوا أن لا نرضى حتى نقتل بالعبد منا الحر منهم، وبالمرأة منا الرجل منهم فنزل فيهم {الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأثى} فرضوا بذلك فصارت آية {الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأثى} منسوخة نسخها {أن النفس بالنفس} 2.
قلت: وهذا (القول) 3 ليس بشيء لوجهين:
أحدهما: أنه إنما ذكر في آية المائدة ما كتبه على أهل التوراة وذلك لا يلزمنا وإنما نقول في إحدى الروايتين عن أحمد: إن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يثبت نسخه، وبخطابنا بعد خطابهم قد ثبت النسخ، فتلك الآية أولى أن تكون منسوخة بهذه من هذه بتلك.
والثاني: أن دليل الخطاب عند الفقهاء حجة ما لم يعارضه دليل أقوى منه، وقد ثبت بلفظ الآية أن الحر يوازي الحر فلأن يوازي العبد