مثل القلب والنفس
ج ١ · ص ٢٩٤
أعمالهم إلى حركاتهم فيها على الخضوع والذلة يتذللون لمليكهم بتلك الحركات عبودة وأسرا
وطائفة تلحظ إلى حركاتهم فيها إلى فرح الله بفعل العبيد فهم يتقلبون ويتصرفون فيها التذاذا بفرح الله تعالى ومسراته بتلك الأفعال وقوله لعيسى عليه السلام يا عيسى تحر مسرتي وهو قوله صلى الله عليه وسلم ( لله أفرح بتوبة العبد من أن يضل أحدكم راحلته في أرض فلاة عليها زاده ومتاعه فيضرب يمينا وشمالا فلا يجد فيقول في نفسه أرجع إلى ذلك الموضع فأموت فيه فوطن نفسه على ذلك فإذا رجع إلى ذلك الموضع وجد راحلته قائمة هناك عليها زاده وشرابه ومتاعه )
وكذلك الصوم إنما هو دعوة القلب النفس إلى ترك الشهوات ليومه الذي يريد أن يصبح فيه والنفس تتثاقل وتنفر عن ذلك النفرة التي تنفر وتتثاقل عن تركها حتى إذا أجابت القلب إلى ذلك ارتحل القلب إلى الله تعالى بانقياد النفس له ومتابعتها إياه وقبول القلب من الله تعالى ذلك الترك والكف عن الشهوات من الطعام والشراب والنساء والحفظ للسمع والبصر واللسان عما لا يحل ثم إلى النفس عازما فذاك الارتجاع زينة عمله في العزيمة عند الرجوع إلى النفس وقبوله من الله تعالى فجاء بذلك القبول فأحاط بالنفس فتلك
ج ١ · ص ٢٩٥
الإحاطة عزيمة القلب وانقياد النفس وثاقه إياها فربضت النفس ساكنة
هذا مبتدأ الصوم فمن مبتدا هذا اليوم إلى آخره في صدره خواطر وعلى ظاهر جوارحه عوارض تحتاج النفس إلى أن تتجرع مرارة تلك الشهوات خاطرة كانت أو عارضة فكلما خطر بباله في صدره بين عيني فؤاده خطرة هاج البال واشتهت النفوس لتلك الشهوة وسكنها القلب فريضت كان لها بكل خاطرة وعارضة تتجرع النفس مرارة الترك جزاء عند الله تعالى فمن يحصي هذه الخطرات والعوارض إلا الله تعالى
ولذلك قال الصوم لي وأنا أجزي به لأن النفس تجرعت مرارة الترك لله تعالى والقلب وفى بما قبل من الله تعالى فالثواب يتجرع المرارة والجزاء للقلب بالوفاء
فطبقة منهم في هذه الخطرات والعوارض في درجة ملاحظة الثواب والعقاب
وطائفة منهم في درجة ملاحظة حب الله تعالى فتلاشت المرارات بحلاوة حبه
وطبقة منهم في درجة ملاحظة مسرات الله تعالى وقرة العين