الحب سر الله في العباد
ج ١ · ص ٢٠٠
خمسة كلهم يروون هذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل الله قلب المؤمن خزانته وفيها كنوزه وهو ممسكه وجعل صدره حرما
فإذا كان الحرم له من الحرمة أنه لا يصاد صيده ولا يقطع شجره ولا تلتقط لقطته ولا يخاف من دخله وصيره مأمنا ومهبط رحمته وموضع نظره من بين جميع الأرض فقلب المؤمن أعظم شأنا من الحرم وما فيه أعظم من الكعبة فإن كانت الكعبة بيته فهذا نوره في خزانته وإن كانت الكعبة لا يملكها غيره فهذا القلب أيضا في قبضته لا يملكه غيره وإن كان ما حوله حرما فالصدر حول القلب حرم لهذه الخزانة ولما فيها فكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( من أحدث في الحرم حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه صرف ولا عدل )
فهذا المحدث هو خارجي يخرج بالجور والباطل على إمام عدل محق فهو المحدث ومن أعانه أو آواه فقد استوجب اللعنة فكذلك من أحدث في هذا الصدر حدثا من هوى أو بدعة استوجب اللعنة ولم
ج ١ · ص ٢٠١
يقبل منه صرف ولا عدل ولا توبة لأنه خرب الدين ورام أن يأخذ ولاية القلب بالتوحيد فإن القلب أمير على النفس والإمرة بالكنوز والجنود حتى يمضي سلطانه على الجوارح في الأمر والنهي وقوة كنوز المعرفة وعلم التوحيد فهؤلاء الجبرية والقدرية والمرجئة والمجسمة والمعطلة عليهم لعائن الله تترى قد أحدثوا في الحرم على خزانة الله أكثر وأعظم ممن أحدث في الحرم على بيت المال
وكما لا يصاد صيد الحرم فكذلك ما تطاير في الصدر من الخواطر من صفات الله تعالى فليس تصاد تلك الخواطر فيدخل قلبه مداخل الفكر لكيفيته فإنه ليس لتلك الصفات كيفية ولا منتهى ولا ملاحظة فاستغفر الله كما تكفر أول صيد تأخذه