تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

مثل من يسبح بتسبيح غيره — الأمثال من الكتاب والسنة

من الأمثال من الكتاب والسنة لـأبو عبد الله محمد بن علي الحكيم الترمذي — الورقة ١٥٧ من ٣١٧.

مثل من يسبح بتسبيح غيره

ج ١ · ص ١٦٧

وأحدهما له سماحة في التخطي ونزع في المشي يعطي من نفسه القوة الوافرة والآخر له بلادة في التخطي وانتكاص في المشي وتراجع القهقري لا يعطي من نفسه القوة التي فيه فصاحبه مبتلى به إذ هما شريكان في العمل فإنما ثقل الآخر وتبلد أنه محب للراحة والتخلية في المرعى فيثقل لمفارقة الشهوة واللذة والوقوع في التعب والنصب

فمثل هذه النفس كمثل هذا الثور البليد الثقيل والقلب خال من الشهوات والنفس معدن الشهوات واللذات والقلب يطلب ربه والنفس تطلب شهواتها ولذاتها فمثل النفس كسفينة مشحونة في نهر شديد الجرية والسفينة في صعود تجر جرا فكلما أوقرت السفينة كان جرها أصعب وأثقل

فمن أحب أن يخف عليه جرها فليخل سفينته من الأشجان بكل ما يقدر عليه حتى يتركها خالية من الأشجان والأثقال فعندها تخف على من جرها مصعدة

ج ١ · ص ١٦٨

فالنفس تجري في أمر الله مع القلب فيما تهوى النفس وتشتهي وتلتذ فالسفينة المشحونة منحدرة فإذا جاءها أمر لم تهو ولم تشته صارت كسفينة موقرة مشحونة مصعدة فهي تجر جرا بالرجال مع الأنين والأعناق والأيدي المكدودة حتى تبلغ المصعد

مثل الدنيا وانخداع الأحمق بها كمثل الصبي في المهد ترضعه أمه وتسدل عليه ذلك الغطاء وترجحه وتنغمه بأنواع الكلام حتى يذهب به النوم فكذلك الدنيا ترضعه حلاوتها ولذاتها وتطبق عليها الهوى وتتابع عليها الأماني وتطول له في الأمل حتى ينام عن الآخرة فكلما ازداد أمله طولا كان أثقل نوما ثم سقته شربة في نومه من ذلك السم الناقع وهو حب الدنيا وشغوفه بها حتى يسكر من حلاوة ذلك الحب فعندها يغلي حرصه فهو هلاك دينه كما تسقي هذه المرضعة ولدها من هذا الأفيون حتى يثقل نومه ويكون كالسكران فإذا لم تطبخه بالسمن وتمزجه بسائر

ت. د . السيد الجميلي — دار ابن زيدون / دار أسامة