33
ج ١ · ص ٩٨
فترى أن هذه الطلاوة وهذا الظرف، إنما هو لأن جعل النظر "يجمح" وليس هو لذلك، بل لأن قال في أول البيت "وإني" حتى دخل اللام في قوله "لتجمح" ثم قوله: "مني" ثم لأن قال "نظرة" ولم يقل "النظر" مثلا ثم لمكان "ثم" في قوله: "ثم أطرق" وللطيفة أخرى نصرت هذه اللطائف، وهي اعتراضه بين اسم "إن" وخبرها بقوله: "على إشفاق عيني من العدي".
وإن أردت أعجب من ذلك فيما ذكرت لك، فانظر إلى قوله وقد تقدم إنشاده قبل:
سالت عليه شعاب الحي حين دعا ... أنصاره بوجوه كالدنانير1
فإنك ترى هذه الاستعارة، على لطفها وغرابتها، إنما تم لها الحسن وانتهى إلى حيث انتهى، بما توخي في وضع الكلام من التقديم والتأخير، وتجدها قد ملحت ولطفت بمعاونة ذلك ومؤازرته لها. وإن شككت فاعمد إلى الجارين والظرف، فأزل كلآ منها عن مكانه الذي وضعه الشاعر فيه، فقل: "سالت شعاب الحي بوجوه كالدنانير عليه حين دعا أنصاره"، ثم انظر كيف يكون الحال، وكيف يذهب الحسن والحلاوة؟ وكيف تعدم أريحيتك التي كانت؟ وكيف تذهب النشوة التي كنت تجدها؟
وجملة الأمر أن ههنا كلاما حسنه للفظ دون النظم، وآخر حسنه للنظم دون اللفظ، وثالثا قد أتاه الحسن من الجهتين2، ووجبت له
تحقيق القول في البلاغة والفصاحة
ج ١ · ص ٩٩
المزية بكلا الأمرين. والإشكال في هذا الثالث، وهو الذي لا تزال ترى الغلط قد عارضك فيه، وتراك قد حفت فيه على النظم1، فتركته وطمحت ببصرك إلى اللفظ، وقدرت في حسن كان به وباللفظ، أنه للفظ خاصة. وهذا هو الذي أردت حين قلت لك: "إن في الاستعارة ما لا يمكن بيانه إلا من بعد العلم بالنظم والوقوف على حقيقته".
مثال على ما تقع الشبهة فيه بين اللفظ والنظم:
ومن دقيق ذلك وخفيه، أنك ترى الناس إذا ذكروا قوله تعالى: {واشتعل الرأس شيبا} [مريم: 4]، لم يزيدوا فيه على ذكر الاستعارة، ولم ينسبوا الشرف لا إليها، ولم يروا للمزية موجبا سواها، هكذا ترى الأمر في ظ اهر كلامهم. وليس الأمر على ذلك، ولا هذا الشرف العظيم، ولا هذه المزية الجليلة، وهذه الروعة التي تدخل على النفوس عند هذا الكلام لمجرد الاستعارة، ولكن لأن سلك بالكلام طريق ما يسند الفعل فيه إلى الشيء2، وهو لما هو من سببه، فيرفع به ما يسند إليه، ويؤتى بالذي الفعل له في المعنى منصوبا بعده، مبينا أن ذلك الإسناد وتلك النسبة إلى ذلك الأول، إنما كانا من أجل هذا الثاني، ولما بينه وبينه من الاتصال والملابسة، كقولهم: "طاب زيد نفسا"، و "قر عمرو عينا"، و "تصبب عرقا"، و "كرم أصلا"، و "حسن وجها" وأشباه ذلك مما تجد الفعل فيه منقولا عن الشيء إلى ما ذلك الشيء من سببه.
وذلك أنا نعلم أن "اشتعل" للشيب في المعنى، وإن كان هو للرأس في اللفظ، كما أن "طاب" للنفس، و "قر" للعين، و "تصبب" للعرق، وإن