31
ج ١ · ص ٩٤
قوله: "سنستجد خلاف الحالتين غدا"، جميع فيما قسم لطيف، وقد ازداد لطفا بحسن ما بناه عليه، ولطف ما توصل به إليه من قوله: "فقد سكنت إلى أني وأنكم".
وإذ قد عرفت هذا النمط من الكلام، وهو ما تتحد أجزاؤه حتى يوضع وضعا واحدا، فاعلم أنه النمط العالي والباب الأعظم، والذي لا ترى سلطان المزية يعظم في شيء كعظمه فيه.
ومما ندر منه ولطف مأخذه، ودق نظر واضعه، وجلى لك عن شأو قد تحسر دونه العتاق، وغاية يعيى من قبلها المذاكي الفرح1 الأبيات المشهورة في تشبيه شيئين بشيئين، كبيت امرئ القيس:
كأن قلوب الطير رطبا ويابسا ... لدى وكرها العناب والحشف البالي2
وبيت الفرزدق:
والشيب ينهض في الشباب كأنه ... ليل يصيح بجانبيه نهار3
32
ج ١ · ص ٩٥
وبيت بشار:
كأن مثار النقع فوق رءوسنا ... وأسيافنا، ليل تهاوى كواكبه1
ومما أتى في هذا الباب مأتى أعجب مما مضى كله، قوله زياد الأعجم:
وإنا وما تلقي لنا إن هجوتنا ... لكالبحر مهما يلق في البحر يغرق2
وإنما كان أعجب، لأن عمله أدق، وطريقه أغمض، ووجه المشابكة فيه أغرب3.
واعلم أن من الكلام ما أنت تعلم إذا تدبرته أن لم يحتج واضعه إلى فكر وروية حتى انتظم، بل ترى سبيله في ضم بعضه إلى بعض، سبيل من عمد إلى لآل فخرطها في سلك، لا يبغي أكثر من يمنعها التفرق5، وكمن نضد أشياء بعضها على بعض، لا يريد في نضده ذلك أن تجيء له منه
ج ١ · ص ٩٦
هيئة أو صورة، بل ليس إلا أن تكون مجموعة في رأي العين. وذلك إذا كان معناك، معنى لا تحتاج أن تصنع فيه شيئا غير أن تعطف لفظا على مثله، كقول الجاحظ:
"جنبك الله الشبهة، وعصمك من الحيرة، وجعل بينك وبين المعرفة نسبا، وبين الصدق سببا، وحبب إليك التثبت، وزين في عينك الإنصاف، وأذاقك حلاوة التقوى، وأشعر قلبك عز الحق، وأودع صدرك برد اليقين، وطرد عنك ذل اليأس، وعرفك ما في الباطل من الذلة، وما في الجهل من القلة"1.
وكقول بعضهم: "لله در خطيب قام عندك، يا أمير المؤمنين، ما أفصح لسانه، وأحسن بيانه، وأمضى جنانه، وأبل ريقه، وأسهل طريقة".
ومثل قول النابغة في الثناء المسجوع: "أيفاخرك الملك اللخمي، فوالله لقفاك خير من وجهه، ولشمالك خير من يمينه، ولأخمصك خير من رأسه، ولخطؤك خير من صوابه، ولعيك خير من كلامه، ولخدمك خير من قومه".
وكقول بعض البلغاء في وصف اللسان: "اللسان أداة يظهر بها حسن البيان، وظاهر يخبر عن الضمير، وشاهد ينبئك عن غائب، وحاكم يفصل به الخطاب، وواعظ ينهى عن القبيح، ومزين يدعو إلى الحسن، وزارع يحرث المودة، وحاصد يحصد الضغينة، ومله يونق الأسماع".