تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

331 — دلائل الإعجاز في علم المعاني

من دلائل الإعجاز في علم المعاني لـأبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الفارسي الأصل، الجرجاني الدار — الورقة ٦١٣ من ٦٧٠.

331

ج ١ · ص ٦٢٤

بسم الله الرحمن الرحيم

قول من قال: "إنه يجوز أن يقدر الواحد من الناس من بعد انقضاء زمن النبي صلى الله عليه وسلم، ومضى وقت التحدي، على أن يأتي بما يشبه القرآن ويكون مثله، لأن ذلك لا يخرج عن أن يكون قد كان معجزا في زمان النبي صلى الله عليه وسلم1، وحين تحدى العرب إليه"2 قول لا يصح إلا لمن لا يجعل القرآن معجزا في نفسه3، ويذهب فيه إلى "الصرفة".

فأما الذي عليه العلماء من أنه معجز في نفسه، وأنه في نظمه وتأليفه على وصف لا يهتدي الخلق إلى الإتيان بكلام هو في نظمه وتأليفه على ذلك الوصف، فلا يصح البتة ذاك لا فرق بين أن يكون الفعل معجزا في جنسه كإحياء الموتى، وبين أن يكون معجزا لوقوعه على وصف، وإذا كان كذلك، فكما أنه محال أنه يكون ههنا إحياء ميت لا من فعل الله، كذلك محال أن يكون ههنا نظم مثل نظم القرآن لا من فعله تعالى. فهذا هو.

ثم إنه قول إذ نقر عنه انكشف عن أمر منكر، وهو إخراج أن يكون وحيا من الله، وأن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد تلقاه عن جبريل عليه السلام والذهاب إلى أنت يكون قد كان على سبيل الإلهام، وكالشيء يلقى في نفس الإنسان ويهدى له من طريق الخاطر والهاجس الذي يهجس في القلب. وذلك مما يستعاذ بالله منه، فإنه تطرق للإحاد، والله ولي العصمة والتوفيق.

332

ج ١ · ص ٦٢٥

بسم الله الرحمن الرحيم

فصل:

اعلم أن البلاء والداء العياء، أن ليس علم الفصاحة وتمييز بعض الكلام من بعض بالذي تستطيع أن تفهمه من شئت ومتى شئت، وأن لست تملك من أمرك شيئا حتى تظفر بمن له طبع إذا قدحته ورى2، وقلب إذا أريته رأى فأما وصاحبك من لا يرى ما تريه، ولا يهتدي للذي تهديه، فأنت معه كالنافخ في الحم من غير نار، وكالملتمس الشم من أخشم3, وكما لا تقيم الشعر في نفس من لا ذوق له، كذلك لا يفهم هذا الباب من لم يؤت الآلة التي بها يفهم إلا أنه إنما يكون البلاء إذا ظن العادم لها أنه قد أويتها، وأنه ممن يكمل للحكم ويصح منه القضاء، فجعل يخبط ويخلط، ويقول القول لو علم غبه لاستحي منه4.

وأما الذي يحس بالنقص في نفسه5، ويعلم أنه قد عدم علما قد أوتيه من سواه، فأنت منه في راحة، وهو رجل عاقل قد حماه عقله أن يعدو طوره6، وأن يتكلف ما ليس بأهل له.

ت. محمود محمد شاكر أبو فهر — مطبعة المدني بالقاهرة - دار المدني بجدة — الثالثة ١٤١٣هـ - ١٩٩٢م