17
ج ١ · ص ٦٠
وبيت ابن يسير:
وانثنت نحو عزف نفس ذهول1
وليس اللفظ السليم من ذلك بمعوز، ولا بعزيز الوجود، ولا بالشيء لا يستطيعه إلا الشاعر المفلق والخطيب البليغ، فيستقيم قياسه على السجع والتجنيس ونحو ذلك، مما إذا رامه المتكلم صعب عليه تصحيح المعاني وتأدية الأغراض. فقولنا: "أطال الله بقاءك، وأدام عزك، وأتم نعمته عليك، وزاد في إحسانه عندك"، لفظ سليم مما يكد اللسان، وليس في حروفه استكراه، وهكذا حال كلام الناس في كتبهم ومحاوراتهم، لا تكاد تجد فيه هذا الاستكراه، لأنه إنما هو شيء يعرض للشاعر إذا تكلف وتعمل2، فأما المرسل نفسه على سجيتها، فلا يعرض له ذلك.
هذا، والمتعلل بمثل ما ذكرت من أنه إنما يكون تلاؤم الحروف معجزا بعد أن يكون اللفظ دالا، لأن مراعاة التعادل إنما تصعب إذا احتيج مع ذلك إلى مراعاة المعاني، إذا تأملت3 يذهب إلى شيء ظريف، وهو أن يصعب مرام اللفظ بسبب المعنى، وذلك محال، لأن الذي يعرفه العقلاء عكس ذلك، وهو أن يصعب مرام المعنى بسبب اللفظ، فصعوبة ما صعب من السجع، هي صعوبة عرضت في المعاني من أجل الألفاظ، وذاك أنه صعب.
ج ١ · ص ٦١
عليك أن توفق بين معاني تلك الألفاظ المسجعة وبين معاني الفصول التي جعلت أردافا لها، فلم تستطع ذلك إلا بعد أن عدلت عن أسلوب إلى أسلوب، أو دخلت في ضرب من المجاز، أو أخذت في نوع من الاتساع، وبعد أن تلطفت على الجملة ضربا من التلطف. وكيف يتصور أن يصعب مرام اللفظ بسبب المعنى، وأنت إن أردت الحق لا تطلب اللفظ بحال، وإنما تطلب المعنى، وإذا ظفرت بالمعنى، فاللفظ معك وإزاء ناظرك؟ وإنما كان يتصور أن يصعب مرام اللفظ من أجل المعنى، أن لو كنت إذا طلبت المعنى فحصلته، احتجت إلى أن تطلب اللفظ على حدة. وذلك محال.
هذا، وإذا توهم متوهم أنا نحتاج إلى أن نطلب اللفظ، وأن من شأن الطلب أن يكون هناك، فإن الذي يتوهم أنه يحتاج إلى طلبه، هو ترتيب الألفاظ في النطق لا محالة,. وإذا كان كذلك، فينبغي لنا أن نرجع إلى نفوسنا فننظر: هل يتصور أن نرتب معاني أسماء وأفعال وحروف في النفس، ثم يخفى علينا مواقعها في النطق، حتى نحتاج في ذلك إلى فكر وروية؟ وذلك ما لا يشك فيه عاقل إذا هو رجع إلى نفسه.
وإذا بطل أن يكون ترتيب اللفظ مطلوبا بحال، لم يكن المطلوب أبدا إلا ترتيب المعاني، وكان معول هذا المخالف على ذلك، فقد اضمحل كلامه، وبان أنه ليس لمن حام في حديث المزية والإعجاز حول "اللفظ"، ورام أن يجعله السبب في هذه الفضيلة، إلا التسكع في الحيرة، والخروج عن فاسد من القول إلى مثله. والله الموفق للصواب.
فإن قيل: إذا كان اللفظ بمعزل عن المزية التي تنازعنا فيها، وكانت