تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

16 — دلائل الإعجاز في علم المعاني

من دلائل الإعجاز في علم المعاني لـأبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الفارسي الأصل، الجرجاني الدار — الورقة ٥٧ من ٦٧٠.

16

ج ١ · ص ٥٨

فإن أخذنا بالأول، لزمنا أن نقصر الفضيلة عليه حتى لا يكون الإعجاز إلا به وفيه1، وفي ذلك ما لا يخفى من الشناغة، لأنه يؤدي إلى أن لا يكون للمعاني التي ذكروها في حدود البلاغة: من وضوح الدلالة، وصواب الإشارة، وتصحيح الأقسام، وحسن الترتيب والنظام، والإبداع في طريقة وتوفية الحذف والتأكيد والتقديم والتأخير شروطها2 مدخل فيما له كان القرآن معجزا، حتى يدعي أنه لم يكن معجزا من حيث هو بليغ، ولا من حيث هو قول فصل، وكلام شريف النظم بديع التأليف، وذلك أنه لا تعلق لشيء من هذه المعاني بتلاؤم الحروف.

وإن أخذنا بالثاني، وهو أن يكون تلاؤم الحروف وجها من وجوه الفضيلة، وداخلا في عداد ما يفاضل به بين كلام وكلام على الجملة، لم يكن لهذا الخلاف ضرر علينا، لأنه ليس باكثر أن نعمد إلى "الفصاحة" فتخرجها من حيز "البلاغة والبيان"، وأن تكون نظيرة لها، وفي عداد ما هو شبههما من البراعية والجزالة وأشباه ذلك، ما ينبئ عن شرف النظم، وعن المزايا التي شرحت لك أمرها، وأعملتك جنسها3 أو نجعلها اسما مشتركا يقع تارة لما تقع له تلك، وأخرى لما يرجع إلى سلامة اللفظ مما يثقل على اللسان. وليس واحد من الأمرين بقادح فيما نحن بصدده.

17

ج ١ · ص ٥٩

وإن تعسف متعسف في تلاؤم الحروف، فبلغ به أن يكون الأصل في الإعجاز، وأخرج سائر ما ذكروه في أقسام البلاغة من أن يكون له مدخل أو تأثير فيما له كان القرآن معجزا، كان الوجه أن يقال له: إنه يلزمك، على قياس قولك، أن تجوز أن يكون ههنا نظم للألفاظ وترتيب، لا على نسق المعاني، ولا على وجه يقصد به الفائدة، ثم يكون مع ذلك معجزا، وكفى به فسادا.

فإن قال قائل: إني لا أجعل تلاؤم الحروف معجزا حتى يكون اللفظ مع ذلك دالا، وذاك أنه إنما تصعب مراعاة التعادل بين الحروف، إذا احتيج مع ذلك إلى مراعاة المعاني، كما أنه إنما تصعب مراعاة السجع والوزن، ويصعب كذلك التجنيس والترصيع، إذا روعي معه المعنى.

قيل له: فأنت الآن، إن عقلت ما تقول، قد خرجت من مسئلتك، وتركت أن يستحق اللفظ المزية من حيث هو لفظ1، وجئت به تطلب لصعوبة النظم فيما بين المعاني طريقا، وتضع له علة غير ما يعرفه الناس، وتدعي أن ترتيب المعاني سهل، وأن تفاضل الناس في ذلك إلى حد، وأن الفضيلة تزداد وتقوى إذا توخي في حروف الألفاظ التعادل والتلاؤم. وهذا منك وهم.

وذلك أنا لا نعلم لتعادل الحروف معنى سوى أن تسلم من نحو ما تجده في بيت أبي تمام:

كريم متى أمدحه أمدحه والورى

ت. محمود محمد شاكر أبو فهر — مطبعة المدني بالقاهرة - دار المدني بجدة — الثالثة ١٤١٣هـ - ١٩٩٢م