15
ج ١ · ص ٥٧
كريم متى أمدحه أمدحه والورى ... جميعا ومهما لمته لمته وحدي1
أي لا أمدحه بشيء إلا صدقني الناس فيه2.
ومنه ما يكون فيه بعض الكلفة على اللسان، إلا أنه لا يبلغ أن يعاب به صاحبه ويشهر أمره في ذلك ويفحظ عليه3 ويزعم أن الكلام إذا سلم من ذلك وصفا من شوبه4، كان الفصيح المشاد به والمشار إليه5، وأن الصفاء أيضا يكون على مراتب يعلو بعضها بعضا، وأن له غاية إذا انتهى إليها كان الإعجاز.
والذي يبطل هذه المشبهة، إن ذهب إليها ذاهب، أنا إن قصرنا صفة "الفصاحة" على كون اللفظ كذلك6، وجعلناه المراد بها، لزمنا أن نخرج "الفصاحة" على كون اللفظ كذلك، وجعلناه المراد بها، لزمنا أن نخرج "الفصاحة" من حيز "البلاغة"، ومن أن تكون نظيرة لها. وإذا فعلنا ذلك، لم نحل من أجد أمرين: إما أن نجعله العمدة في المفاضلة بين العبارتين ولا نعرج على غيره، وإما أن نجعله أحد ما نفاضل به، ووجها من الوجوه التي تقتضي تقديم كلام على كلام7.
16
ج ١ · ص ٥٨
فإن أخذنا بالأول، لزمنا أن نقصر الفضيلة عليه حتى لا يكون الإعجاز إلا به وفيه1، وفي ذلك ما لا يخفى من الشناغة، لأنه يؤدي إلى أن لا يكون للمعاني التي ذكروها في حدود البلاغة: من وضوح الدلالة، وصواب الإشارة، وتصحيح الأقسام، وحسن الترتيب والنظام، والإبداع في طريقة وتوفية الحذف والتأكيد والتقديم والتأخير شروطها2 مدخل فيما له كان القرآن معجزا، حتى يدعي أنه لم يكن معجزا من حيث هو بليغ، ولا من حيث هو قول فصل، وكلام شريف النظم بديع التأليف، وذلك أنه لا تعلق لشيء من هذه المعاني بتلاؤم الحروف.
وإن أخذنا بالثاني، وهو أن يكون تلاؤم الحروف وجها من وجوه الفضيلة، وداخلا في عداد ما يفاضل به بين كلام وكلام على الجملة، لم يكن لهذا الخلاف ضرر علينا، لأنه ليس باكثر أن نعمد إلى "الفصاحة" فتخرجها من حيز "البلاغة والبيان"، وأن تكون نظيرة لها، وفي عداد ما هو شبههما من البراعية والجزالة وأشباه ذلك، ما ينبئ عن شرف النظم، وعن المزايا التي شرحت لك أمرها، وأعملتك جنسها3 أو نجعلها اسما مشتركا يقع تارة لما تقع له تلك، وأخرى لما يرجع إلى سلامة اللفظ مما يثقل على اللسان. وليس واحد من الأمرين بقادح فيما نحن بصدده.