تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

الكلام في الشعر — دلائل الإعجاز في علم المعاني

من دلائل الإعجاز في علم المعاني لـأبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الفارسي الأصل، الجرجاني الدار — الورقة ٤٣ من ٦٧٠.

الكلام في الشعر

ج ١ · ص ٤٤

وهل قالوا: "لفظة متمكنة، ومقبولة"، وفي خلافه: "قلقة، ونابية، ومستكرهة"، إلا وغضرهم أن يعبروا ببالتمكن عن حسن الاتفاق بين هذه وتلك من جهة معناهما، وبالقلق والنبو عن سوء التلاؤم، وأن الأولى لم تلق بالثانية في معناها، وأن السابقة لم تصلح أن تكون لفقا للتالية في مؤادها؟ 1

وهل تشك إذا فكرت في قوله تعالى {وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعدا للقوم الظالمين} [هود: 44]، فتجلى لك منها الإعجاز، وبهرك الذي ترى وتسمع2 أنك لم تجد ما وجدت من المزية الظاهرة، والفضيلة القاهرة، إلا لمر يرجع إلى ارتباط هذه الكلم بعضها ببعض، وأن لم يعرض لها الحسن والشرف إلا من حيث لاقت الأولى بالثانية، والثالثة بالرابعة، وهكذا، إلى أن تستقريها إلى آخرها وأن الفضل تناتج ما بينها، وحصل من مجموعها؟

إن شككت، فتأمل: هل ترى لفظة منها بحيث لو أخذت من بين أخواتها وأفردت، لأدت من الفصاحة ما تؤديه وهي في مكانها من الآية؟ قل: "إبلعي"، واعتبرها وحدها من غير أن تنظر إلى ما قبلها وما بعدها، وكذلك فاعتبر سائر ما يليها.

وكيف بالشك في ذلك، ومعلوم أن مبدأ العظمة في أن نوديت الأرض، ثم أمرت، ثم في أن كان النداء "بيا" دون "أي"، نحو "يا أيتها الأرض"، ثم

9

ج ١ · ص ٤٥

إضافة "الماء" إلى "الكاف"، دون أن يقال: "ابلعي ماءك"1، ثم أن أتبع نداء الأرض وأمرها بما هو من شأنها، نداء السماء وأمرها كذلك، بما يخصها، ثم أن قيل: و {وغيض الماء}، فجاء الفعل على صيغة "فعل" الدالة على أنه لم يغض إلا بأمر آمر وقدرة قادر، ثم تأكيد ذلك وتقريره بقوله تعالى: {وقضي الأمر}، ثم ذكر ما هو فائدة هذه الأمور، وهو: {استوت على الجودي}، ثم إضمار "السفينة" قبل الذكر، كما هو شرط الفخامة والدلالة على عظم الشأن، ثم مقابلة "قيل" في الخاتمة "بقيل" في الفاتحة؟ أفترى لشيء من هذه الخصائص التي تملوك بالإعجاز روعة2، وتحضرك عند تصورها هيبة تحيط بالنفس من أقطارها3 تعلقا باللفظ من حيث هو صوت مسموع وحروف تتوالى في النطق؟ أم كل ذلك لما بين معاني الألفاظ من الاتساق العجيب؟

فقد اتضح إذن اتضاحا لا يدع للشك مجالا، أن الألفاظ لا تتفاضل من حيث هي ألفاظ مجردة، ولا من حيث هي كلم مفردة، وأن الفضيلة وخلاقها، في ملائمة معنى اللفظة لمعنى التي تليها4، وما أشبه ذلك، مما لا تعلق له بصريح اللفظ.

اللفظ الواحد يقع مقبولا، ومكروها:

ومما يشهد لذلك أنك ترى الكلمة تروقك وتؤنسك في موضع، ثم تراها بعينها تثقل عليك وتوحشك في موضع آخر، كلفظ "الأخدع" في بيت الحماسة:

ت. محمود محمد شاكر أبو فهر — مطبعة المدني بالقاهرة - دار المدني بجدة — الثالثة ١٤١٣هـ - ١٩٩٢م