209
ج ١ · ص ٤٠٨
وما مثل من يزعم أن "الفصاحة" صفة للفظ من حيث هو لفظ ونطق ليسان، ثم يزعم أنه يدعيها لمجموع حروفه دون آحادها، إلا مثل من يزعم أن ههنا غزلا إذا نسيج منه ثوب كان أحمر، وإذا فرق ونظر إليه خيطا خيطا، لم تكن فيه حمرة أصلا!
ومن طريق أمرهم، أنك ترى كافتهم لا ينكرون أن اللفظ المستعار إذا كان فصيحا، كان فصاحته تلك من أجل استعارته، ومن أجل لطف وغرابة كانا فيها، وتراهم مع ذلك لا يشكون في أن الاستعارة لا تحدث في حروف اللفظ صفة ولا تغير أجراسها عما تكون عليه إذا لم يكن مستعارا، وكان متروكا على حقيقته، وأن التأثير من الاستعارة إنما يكون في المعنى. كيف؟ وهم يعتقدون أن اللفظ إذا استعير لشيء، نقل عن معناه الذي وضع له بالكلية. وإذا كان الأمر كذلك، فلولا إهمالهم أنفسهم وتركهم النظر، لقد كان يكون فيه ذا ما يوقظهم من غفلتهم، ويكشف الغطاء عن أعينهم1.
ج ١ · ص ٤٠٩
فصل: بيان أن الفكر لا يتعلق بمعاني الكلم مجردة من معاني النحو
ومما ينبغي أن يعلمه الإنسان ويجعله على ذكر، أنه لا يتصور أن يتعلق الفكر بمعاني الكلم أفرادا ومجردة من معاني النحو، فلا يقوم في وهم ولا يصح في عقل، أن يتفكر متفكر في معنى "فعل" من غير أن يريد إعماله في "اسم"، ولا أن يتفكر في معنى "اسم" من غير أن يريد إعمال "فعل" فيه، وجعله فاعلا له أو مفعولا، أو يريد فيه حكما سوى ذلك من الأحكام1، مثل أن يريد جعله مبتدأ، أو خبرا، أو صفة أو حالا، أو ما شاكل ذلك.
وإن أردت أن ترى ذلك عيانا فاعمد إلى أي كلام شئت، وأزل أجزاءه عن مواضعها، وضعا يمتنع معه دخول شيء من معاني النحو يها، فقل في:
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل
"من نبك قفا حبيب ذكرى منزل"، ثم انظر هل يتعلق منك فكر بمعنى كلمة منها؟
واعلم أني لست أقول إلى الفكر لا يتعلق بمعاني الكلم المفردة أصلا، ولكن أقول إنه لا يتعلق بها مجردة من معاني النحو، ومنطوقا بها على وجه لا يتأتى معه تقدير معاني النحو وتوخيها فيها، كالذي أريتك، وإلا فإنك