تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

193 — دلائل الإعجاز في علم المعاني

من دلائل الإعجاز في علم المعاني لـأبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الفارسي الأصل، الجرجاني الدار — الورقة ٣٨٠ من ٦٧٠.

193

ج ١ · ص ٣٨١

قيل: إن ههنا أمرا قد أغفلته، وهو أن قولهم {أآلهتنا}، يوجب ثبوت آلهة، جل الله وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا. وقولنا: "ليس لنا آلهة ثلاثة"، لا يوجب ثبوت اثنين البتة.

فإن قلت: إن كان لا يوجبه، فإنه لا ينفيه.

قيل: ينفيه ما بعده من قوله تعالى: {إنما الله إله واحد} [النساء: 171].

فإن قيل: فإنه كما ينفي الإلهين، كذلك ينفي الآلهة. وإذا كان كذلك، وجب أن يكون تقديرهم صحيحا كتقديرك.

قيل: هو كما قلت ينفي الآلهة، ولكنهم إذا زعموا أن التقدير: "ولا تقولوا آلهتنا ثلاثة"، وكان ذلك والعياذ بالله من الشرك يقتضي إثبات آلهة، كانوا قد دفعوا هذا النفي وخالفوه وأخرجوا إلى المناقضة. فإذا كان كذلك، كان محالا أن يكون للصحة سبيل إلى ما قالوا. وليس كذلك الحال فيما قدرناه، لأنا لم تقدر شيئا يقتضي إثبات إلهين، تعالى الله، حتى يكون حالنا حال من يدفع ما يوجبه هذا الكلام من نفيهما.

يبين لك ذلك: أنه يصح لنا أن نتبع ما قدرناه نفي الاثنين، ولا يصح لهم.

تفسير ذلك: أنه يصح أن تقول: "ولا تقولوا لنا آلهة ثلاثة ولا إلهان"، لأن ذلك يجري مجرى أن تقول: "ليس لنا آلهة ثلاثة ولا إلهان"، وهذا صحيح ولا يصح لهم أن يقولوا: "ولا تقولوا آلهتنا ثلاثة ولا إلهان"1، لأن ذلك يجري

194

ج ١ · ص ٣٨٢

مجرى أن يقولوا: "ولا تقولوا آلهتنا إلهان". وذلك فاسد، فاعرفه وأحسن تأمله.

ثم إن ههنا طريقا آخر، وهو أن تقدر: "ولا تقولوا الله والمسيح وأمه ثلاثة"، أي نبعدهما كما نعبد الله.

يبين ذلك قوله تعالى: {لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة} [المائدة: 73]، وقد استقر في العرف أنهم إذا أرادوا إلحاق اثنين بواحد في وصف من الأوصاف، وأن يجعلوها شبيهين له، قالوا: "هم ثلاثة"، كما يقولون إذا أرادوا إلحاق واحد بآخر وجعله في معناه، "هما اثنان"، وعلى هذا السبيل كأنهم يقولون: "هم يعدون معدا واحدا" ويوجب لهم التساوي والتشارك في الصفة والرتبة، وما شاكل ذلك.

واعلم أنه لا معنى لأن يقال: إن القول حكاية، وإنه إذا كان حكاية لم يلزم منه إثبات الآلهة، لأنه يجري مجرى أن تقول: "إن من دين الكفار أن يقولوا: الآلهة ثلاثة"1، وذلك لأن الخطاب في الاية للنصارى أنسهم. ألا ترى إلى قوله تعالى: {يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى

ت. محمود محمد شاكر أبو فهر — مطبعة المدني بالقاهرة - دار المدني بجدة — الثالثة ١٤١٣هـ - ١٩٩٢م