تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

مواضع التقديم والتأخير: مثل وغير — دلائل الإعجاز في علم المعاني

من دلائل الإعجاز في علم المعاني لـأبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الفارسي الأصل، الجرجاني الدار — الورقة ٢٨٧ من ٦٧٠.

مواضع التقديم والتأخير: مثل وغير

ج ١ · ص ٢٨٨

أنك لا تقول ههنا: "أن يزدادوا إلى حياتهم الحياة" بالتعريف، وإنما تقول: "حياة" إذ كان التعريف يصلح حيث تراد الحياة على الإطلاق، كقولنا: "كل أحد يحب الحياة، ويكره الموت"، كذلك الحكم في الآية.

والذي ينبغي أن يراعى: أن المعنى الذي يوصف الإنسان بالحرص عليه، إذا كان موجودا حال وصفك له بالحرص عليه، لم يتصور أن تجعله حريصا عليه من أصله. كيف؟ ولا يحرص على الراهن ولا الماضي، وإنما يكون الحرص على ما لم يوجد بعد.

تنكير "حياة" في: {ولكم في القصاص حياة}

وشبيه بتنكير الحياة في هذه الآية تنكيرها في قوله عز وجل: [البقرة: 179]، وذلك أن السبب في حسن التنكير، وأن لم يحسن التعريف، أن ليس المعنى على الحياة نفسها، ولكن على أنه لما كان الإنسان إذا علم أنه إذا قتل قتل، ارتدع بذلك عن القتل، فسلم صاحبه، صار حياة هذا المهموم بقتله في مستأنف الوقت، مستفادة بالقصاص1، وصار كأنه قد حيي في باقي عمره به. وإذا كان المعنى على حياة في بعض أوقاته، وجب التنكير وامتنع التعريف، من حيث كان التعريف يقتضي أن تكون الحياة قد كانت بالقصاص من أصلها، وأن يكون القصاص قد كان سببا في كونها في كافة الأوقات. وذلك خلاف المعنى وغير ما هو المقصود.

135

ج ١ · ص ٢٨٩

ويبين ذلك أنك تقول: "لك في هذا غنى"، فتنكر إذا أردت أن تجعل ذلك من بعض ما يستغنى به، فإن قلت: "لك فيه الغنى"، كان الظاهر أنك جعلت كل غناه به.

وأمر آخر، وهو أنه لا يكون ارتداع حتى يكون هم وإرادة وليس بواجب أن لا يكون إنسان في الدنيا إلا وله عدو يهم بقتله ثم يردعه خوف القصاص. وإذا لم يجب ذلك، فمن لم يهم إنسان بقتله، فكفي ذلك الهم لخوف القصاص، فليس هو ممن حيي بالقصاص. وإذا دخل الخصوص، فقد وجب أن يقال "حياة" ولا يقال "الحياة"، كما وجب أن يقال "شفاء" ولا يقال "الشفاء" في قوله تعالى: {يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس} [النحل: 69]، حيث لم يكن شفاء للجميع.

واعلم أنه لا يتصور أن يكون الذي هم بالقتل فلم يقتل خوف القصاص داخلا في الجملة1، وأن يكون القصاص أفاده حياة كما أفاد المقصود قتله. وذلك أن هذه الحياة إنما هي لمن كان يقتل لولا القصاص، وذلك محال في صفة القاصد للقتل، فإنما يصح في وصفه ما هو كالضد لهذا، وهو أن يقال: إنه كان لا يخاف عليه القتل لولا القصاص، وإذا كان هذا كذلك، كان وجها ثالثا في وجوب التنكير.

ت. محمود محمد شاكر أبو فهر — مطبعة المدني بالقاهرة - دار المدني بجدة — الثالثة ١٤١٣هـ - ١٩٩٢م