فاتحة المصنف في مكانة العلم
ج ١ · ص ٢٨
فإن قالوا: إنا لم نأب صحة هذا العلم، ولم ننكر مكان الحاجة إليه في معرفة كتاب الله تعالى، وإنما أنكرنا أشياء كثرتموه بها، وفضول قول تكلفتموها، ومسائل عويصة تجشمتم الفكر فيها، ثم لم تحصلوا على شيء أكثر من أن تعربوا على السامعين، وتعايوا بها الحاضرين.
قيل لهم: خبرونا عما زعمتم أنه فضول قول، وعويص لا يعود بطائل، ما هو؟ فإن بدأوا فذكروا مسائل التصريف التي يضعها النحويون للرياضة، ولضرب من تمكين المقاييس في النفوس، كقولهم: كيف تبني من كذا كذا؟ وكقولهم: ما وزن كذا؟ وتتبعهم في ذلك الألفاظ الوحشية، كقولهم: ما وزن "عزويت"؟ وما "أرونان"؟ وكقولهم في باب ما لا ينصرف: لو سميت رجلا بكذا، كيف يكون الحكم؟ وأشباه ذلك، وقالوا: أتشكون أن ذلك لا يجدي إلا كد الفكر وإضاعة الوقت؟
قلنا لهم: أما هذا الجنس، فلسنا نعيبكم إن لم تنظروا فيه ولم تعنوا به، وليس يهمنا أمره، فقولوا فيه ما شئتم، وضعوه حيث أردتم. فإن تركوا ذلك وتجاوزوه إلى الكلام على أغراض واضع اللغة، على وجه الحكمة في الأوضاع، وتقرير المقاييس التي اطردت عليها، وذكر العلل التي اقتضت أن تجري على ما أجريت عليه، كالقول في المعتل، وفيما يلحق بالحروف الثلاثة التي هي الواو والياء والألف من التغيير بالإبدال والحذف والإسكان1، أو ككلامنا مثلا على التثنية وجمع السلامة، لم كان إعرابهما على خلاف إعراب الواحد، ولم تبع النصب فيهما الجر؟ وفي "النون" إنه عوض عن الحركة
ج ١ · ص ٢٩
والتنوين في حال، وعن الحركة وحدها في حال1 والكلام على ما ينصرف وما لا ينصرف، ولم كان منع الصرف؟ وبيان العلة فيه، والقول على الأسباب التسعة وأنها كلها ثوان لأصول، وأنه إذا حصل منها اثنان في اسم، أو تكرر سبب، صار بذلك ثانيا من جهتين، وإذا صار كذلك أشبه الفعل، لأن الفعل ثان للاسم، والاسم المقدم والأول، وكل ما جرى هذا المجرى؟
قلنا: إنا نسكت عنكم في هذا الضرب أيضا، ونعذركم فيه ونسامحكم، على علم منا بأن قد أسأتم الاختيار، ومنعتم أنفسكم ما فيه الحظ لكم، ومنعتموها الاطلاع على مدارج الحكمة، وعلى العلوم الجمة. فدعوا ذلك، وانظروا الذي اعترفتم بصحته وبالحاجة إليه، هل حصلتموه على وجهه؟ وهل أحطتم بحقائقه؟ إن أنتم خضتم في التفسير، وتعاطيتم علم التأويل، وازنتم بين بعض الأقوال وبعض، وأردتم أن تعرفوا الصحيح من السقيم، وعدتم في ذلك وبدأتم، وزدتم ونقصتم؟
وهل رأيتم إذا قد عرفتم صورة المبتد أوالخبر، وأن إعرابهما الرفع، أن تجاوزوا ذلك إلى أن تنظروا في أقسام خبره، فتعلموا أنه يكون مفردا وجملة، وأن المفرد ينقسم إلى ما يحتمل ضميرا له، وإلى ما يحتمل الضمير، وأن الجملة على أربعة أضرب، وأنه لا بد لكل جملة وقعت خبرا لمبتدإ من أن يكون يما ذكر يعود إلى المبتدأ، وأن هذا الذكر ربما حذف لفظا وأريد معنى، وأن ذلك لا يكون حتى يكون في الحال دليل عليه، إلى سائر ما يتصل بباب الابتداء من المسائل اللطيفة والفوائد الجليلة التي لا بد منها؟
وإذا نظرتم في الصفة مثلا، فعرفتم أنها تتبع الموصوف، وأن مثالها